تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تابعنا على تيليجرامانضم

الحض على التوبة (شرح)

الحديث النبوي الشريف (شرح) · الحديث الشريف وعلومه

آخر تحديث:

محتويات الموضوع (٩)

شرح الموضوع

الحض على التوبة (شرح)

عن الحارث بن سويد، قال : دخلتُ على عبد الله أعودُه، وهو مريضٌ، فحدثنا حديثين : حديثاً عن نفسه، وحديثاً عن رسول الله ﷺ، قال سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول : «للَّهُ أشدُّ فرحاً بتوبة عبدهِ المؤمنِ مِنْ رجلٍ في أرض دَوِّيَّةٍ مَهْلكةٍ، معه راحلتُهُ، عليها طعامُه وشرابهُ، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركهُ العطشُ، ثم قال : أرجعُ إلى مكاني الذي كنتُ فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعدِهِ ليموت، فاستيقظ وعندهُ راحلتهُ، وعليها زادُهُ، وطعامُه وشرابُه، فاللهُ أشدُّ فرحاً بتوبةِ العبدِ المؤمنِ من هذا براحلته وزاده»(١).

راوي الحديث:

عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهُذلي، أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، هاجر الهجرتين، وشهد بدراً، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وكان كثير الولوج على النبي ﷺ، ومناقبه جَمَّةٌ، وأقره عمر على الكوفة، مات سنة اثنتين وثلاثين، وروى له الجماعة .

شرح الحديث:

ظاهر هذا الحديث الإخبار بشدة فرح الله عزّ وجلّ بتوبة العبد إذا تاب . والتوبة تعني : الرجوع عن الذنب .

ولها عند العلماء شروط : أن يقلع عن المعصية، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم عزماً جازماً ألا يعود إلى مثلها أبداً. فإن كانت المعصية تتعلق بآدمي، فلها شرط رابع، وهو رد الحق إلى صاحبه، أو طلب العفو والمسامحة منه .

الحثّ على التوبة:

جاء في الحثّ على التوبة وقبولها أحاديث كثيرة، منها : أنّ النبي ﷺ قال : «إنّ الله عزّ وجلّ يبسط


(١) أخرجه مسلم في صحيحه : كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، ح ٣-٢٧٤٤. يده في الليل؛ ليتوب مسيءُ النهار، ويبسط يده في النهار؛ ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلع الشمسُ من مغربها»(١)، فلا يختص قبولها في وقت من الأوقات .

التوبة من أهم قواعد الإسلام، وهي أولى مقامات سالكي الآخرة، وحد قبولها أن تطلع الشمس من مغربها؛ لقوله ﷺ: «مَنْ تاب قبل أن تطلع الشمسُ من مغربها، تاب اللهُ عليه»(٢).

وباب التوبة مفتوح للمرء إلى ما قبل الغرغرة - وهي حالة النزع -، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه ابن عمر عن النبي ﷺ قال : «إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ»(٣)، والأصل أن يبادر المسلم إلى التوبة حال حدوث الذنب .

فرح الله -تعالى- بتوبة عبده:

في قوله ﷺ: «لَلَّه أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن»، دلالة ظاهرة على فرح الله تعالى بتوبة العباد، فما معنى فرح الله سبحانه وتعالى بتوبة العبد؟ وهل يوصف الله تعالى بمثل هذه الأوصاف المتغيرة التي وصف بها مخلوقاته؟

والجواب : أنّ هذه الأوصاف التي هي من صفات المخلوقين، مثل : الفرح، والحب، وكل صفة تقتضي التغير لا يجوز أن يوصف الله بحقيقتها، وإن ورد شيء من ذلك - كما هو الحال في هذا الحديث الشريف - حمل على معنى يليق به سبحانه وتعالى، فيقال حينئذ إن هذه الألفاظ من ألفاظ الكنايات، فيُكنّى بفرح الله تعالى عن كثرة إحسانه سبحانه للتائب، وكثرة تجاوزه عنه، وعظيم فضله عليه .

ضربُ المثل:

معنى قوله ﷺ: «من رجل في أرض دوّية مهلكة» ارضٌ قَفْرٌ برّيةٌ لا نبات فيها، وفي العيش في مثل هذه الأرض مظنة الهلاك لمن انقطعت به أسباب الحياة، وهذا ما تفيده عبارة «دويّة مهلكة»، ولفظ «دوية» بفتح الدال، وتشديد الياء، وفي رواية لمسلم : (بداويَّة من الأرض) بزيادة ألف، وهي بتشديد الياء أيضاً، وكلاهما صحيح ويفيد المعنى نفسه .


  1. أخرجه مسلم في صحيحه : كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، ح رقم (٣-٢٧٥٩).
  2. أخرجه مسلم في صحيحه : كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، ح رقم ٤٣- (٢٧٠٣).
  3. أخرجه الترمذي في سننه : كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب .

قوله ﷺ: «معه راحلته، عليها طعامه وشرابه»:

وهذه عدّته في هذه الأرض الدَّويّة، فنام لثقته براحلته التي عليها طعامه وشرابه، ثم استيقظ وقد ذهبت، وخرج في طلبها حتى أدركه العطش، وأيس منها، فرأى أن يرجع إلى مكانه الذي كان فيه فينام حتى يموت فيه، فرجع إلى مكانه فغلبته عينه، فنام نومة، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده، ثم قال من شدة الفرح - كما في رواية مسلم(١) - : اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)؛ فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده .

وفي ضرب هذا المثل حكمة عظيمة، وهي المقاربة الذهنية للسامع؛ حتى يتصور عظيم حب الله تعالى ورحمته لعباده .

ما يستفاد من الحديث:

١ جواز سفر المؤمن وحده؛ لأنه لا يضرب الشارع المثل إلا بما يجوز، والحديث الوارد في النهي عن السفر منفرداً محمولٌ على الكراهة جمعاً بينهما . ٢ تسمية المفازة التي ليس فيها ما يؤكل، ولا يشرب مُهلكة . ٣ مَن اعتمد على غير الله خذله، ومَن اعتمد على الله كفاه . ٤ ضرب المثل بما يصل إلى الإفهام من الأمور المحسوسة . ٥ فضل التوبة من العبد المؤمن، والحضّ عليها .

التقويم

٦ أفسّر معنى الكلمات الآتية : التوبة، مهلكة، دويَّة . ٧ أعدد شروط التوبة . ٨ أوضح معنى فرح الله سبحانه وتعالى بتوبة العبد المؤمن . ٩ أستنبط أربع فوائد من الحديث الشريف .


(١) في صحيحه : كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، ح رقم ٧-(٢٧٤٧)

تعريفات أساسية

التوبة

الرجوع عن الذنب

دوية

ارضٌ قَفْرٌ برّيةٌ لا نبات فيها

مهلكة

مظنة الهلاك لمن انقطعت به أسباب الحياة

معاينة موضوع «الحض على التوبة (شرح)» من وحدة «الحديث النبوي الشريف (شرح)» في مادة الحديث الشريف وعلومه. أقسام الشرح: ٩، التعريفات: ٣.

المصدر: وزارة التربية والتعليم العالي، الحض على التوبة (شرح) (ص ٨٨–٩٠)

موضوعات أخرى في الوحدة

تابع الدراسة