شرح الدرس
الدرس ١٧: الجدل في القرآن الكريم
عرض القرآن الكريم لحقائق واضحة تشهد العقول السليمة والفطر المستقيمة بصحتها، وتشهد لها الآيات في الأنفس والآفاق. وعلى الرغم من ثبوتها ثبوتاً قوياً فإن مكابرة الكفار وتعنتهم، حملهم على إثارة الشكوك وتزوير الحقائق والمجادلة بالباطل، فرد الله عليهم بالحجج الباهرة والأدلة القاهرة، وأبطل شُبَههم بالأدلة القوية والجدل المحكم الرشيد.
الجدل لغة واصطلاحاً:
الجدل في اللغة: القتل. يقال: جدلت الحبل؛ أي أحكمت فتله، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد منهم الآخر عن رأيه؛ أي يجعله يتراجع عنه. وفي الاصطلاح: الرد على الخصم على سبيل الغلبة؛ لإلزامه بالدليل.
الجدل في السياق القرآني:
ورد الجدل في السياق القرآني للدلالة على عدة أمور، أهمها:
- الجدل من طبع الإنسان، قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: ٥٤] أي خصومة ومجادلة.
- الجدل أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله تعالى، قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: ١٢٥]. وبالطريقة نفسها أمر بمجادلة أهل الكتاب، فقال: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: ٤٦].
- الجدل في القرآن الكريم يهدف إلى إظهار الحق وإقامة الأدلة على صحة حقائقه؛ لهداية الكافرين، وإلزام المعاندين، وزيادة إيمان المؤمنين. ومثال ذلك: مجادلة إبراهيم عليه السلام للنمرود، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: ٢٥٨].
- مجادلة الكفار وأصحاب الأهواء للمؤمنين بالباطل، بهدف السخرية والاستهزاء وإثارة الشبهات والشكوك، قال تعالى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: ٥٦].
يتضح مما سبق أن الجدل قد يكون محموداً إذا كان القصد منه إقناع الخصم في الوصول إلى الحق، وقد يكون مذموماً إذا كان الهدف منه إثارة الشكوك والشبهات، وكان جدلاً فارغاً بلا هدف.
منهج القرآن الكريم في الجدل والمناظرة:
يتميز منهج القرآن الكريم في الجدل والمناظرة بميزات، أهمها:
- عَرْضُ القرآن الكريم لحقائق العقيدة وأصول الدين بأدلة وبراهين ظاهرة لكل ذي عقل، بأسلوب قوي سليم التركيب يفهمه العالم والعامي.
- استناد القرآن الكريم في أسلوب الجدل على عرض الآيات الكونية المعروفة والمشاهدة، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: ١٩٠]، وقال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [لقمان: ١٠ - ١١].
فالناظر إلى الآيتين السابقتين يجد أن القرآن الكريم يستدل بما هو مشاهد وتدركه الحواس ويراه الإنسان من حوله وحين، ولكنه في الوقت ذاته يدل على قدرة عظيمة وحكمة كبيرة؛ ما يدل على وجود الخالق العزيز الحكيم، وهو استدلال بدهي سهل تدركه كل العقول بينها في فهم تفاصيله ودقائق صنعه وقوانينه التي يسير عليها.
أنواع الجدل في القرآن الكريم:
استعمل القرآن الكريم عدة أنواع من المناظرات والجدل، أهمها ما يأتي:
أولاً: تقرير أصول العقيدة ومبادئ الدين:
ورد الجدل في القرآن الكريم في سياق الآيات الكونية المقرونة بالنظر والتدبر للاستدلال على أصول العقائد، كتوحيد الله في ألوهيته والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا النوع كثير في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٢٤) قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سبأ: ٢٤ - ٢٧].
٦٧ الوحدة الرابعة: جدل القرآن الكريم ومحكمه ومتشابهه
ثانياً: الرد على الخصوم وإقامة الحجة على المعاندين
ورد الجدل في القرآن الكريم في مقارعة الخصوم والمعاندين، ولهذا أساليب وصور مختلفة، أهمها:
- استعمال الاستفهام التقريري؛ وذلك بالاستفهام عن الأمور التي يسلم بها المخاطب، وتسلم بها العقول السليمة حتى يعترف الخصم بما ينكره، كقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [الطور: ٣٥ - ٣٨].
- الاستدلال بالمبدأ على المعاد، وبالخلق الأول على الخلق الثاني يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: ٧٧ - ٧٩].
- الاستدلال بالأمر المحسوس المشاهد على الأمر الغيبي، ومثله الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها فتخرج النبات، على إحياء الناس بعد موتهم للبعث في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: ٣٩]، وقوله تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحج: ٥ - ٧].
- إبطال دعوى الخصم بإثبات نقيضها، كإبطال دعوى اليهود في قولهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، ببيان إقرارهم واعترافهم بأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: ٩١]، ورد عليهم بقوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام: ٩١].
- إفحام الخصم وبيان أن قوله لا يوافقه عليه عاقل، كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١]؛ أي كيف يكون له ولد وليس له زوجة، والولد لا يكون إلا من زوجة، ثم إن الله خالق كل شيء فهو غني عن الولد، ثم إنه بكل شيء عليم، فهل يخبره الكفار أن له ولداً وهو لا يعلم بذلك، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ثالثاً: جدل الأنبياء لأقوامهم من أجل إظهار دعوة الحق
كما في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (115) قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: ١٠٥ - ١١٨].
رابعاً: مجادلة أهل الكتاب:
أمر سبحانه وتعالى بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، من أجل إقناعهم بدعوة الإسلام، كما في قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: ٧٠ - ٧١].
نموذج لجدل الأنبياء مع أقوامهم (قصة البقرة)
المواقف الجدلية بين موسى عليه السلام وقومه كثيرة جداً، ولكننا سنختار واحداً منها، وهو الموقف الذي يتعلق بقصة البقرة: قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[البقرة: ٦٧-٧٣].
وردت عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات، وملخصها أنّ رجلاً من بني إسرائيل قَتل عمّه ووضعه في محلة لسبطٍ من أسباط بني إسرائيل غير سبطه، ثم اتهمهم بقتله، وطالبهم بديته، فردّوا التهمة عن أنفسهم، وصار كل من ولي الدم والمتهمين يتدافعون الأمر فيما بينهم، ثم طلبوا من موسى أن يسأل ربّه البيان، فأمرهم أن يذبحوا بقرة، فكان منهم ما كان مما ذكرته الآيات. وتكشف لنا هذه القصة عن كثير من السّمات الخُلقية لبني إسرائيل، وتُبرز على وجه الخصوص سوء أدبهم مع نبيهم ومع الله تعالى. وفيما يأتي بيان ذلك:
أجاب موسى قومه على طلبهم ببيان القاتل قائلاً: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً﴾، وفي هذا التعبير ما يكفي لأن يدفعهم إلى الاستجابة والتنفيذ، فنبيهم الذي هو زعيمهم ومخلصهم من العذاب المُهين بفضل الله تعالى ورحمته يبيّن لهم أنّ هذا الأمر ليس صادراً منه شخصياً، إنّما هو أمر الله الذي يسير موسى على هداه. فماذا كان جواب القوم؟ لقد كان سفاهة وسوء أدب، واتهاماً لنبيهم الكريم بأنه يهزا بهم ويسخر منهم، فقالوا:
﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾
[البقرة: ٦٧].
ولم يجد موسى ما يردّ به على هذه السفاهة إلا أن يستعيذ بالله وأن يردّهم برفق إلى مراعاة الأدب الواجب مع الله تعالى، وذلك بأسلوب التعريض والتلميح،
﴿قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ﴾
[البقرة: ٦٧].
وكان في هذا التوجيه ما يكفي ليثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا إلى ربهم وينفّذوا أمر نبيهم، ولكنّهم كعادتهم يلجؤون إلى المماطلة والتلكؤ، فيسألون أسئلة لا حاجة إليها،
﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ﴾
[البقرة: ٦٨].
وفي قولهم: ﴿ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ من سوء الأدب ما لا يخفى، فكأنّما هو ربه وحده وليس رب الجميع، وكأن المسألة لا تعنيهم هم وإنما تعني موسى وربه. وفي سؤالهم عن ماهية البقرة بقولهم: ﴿مَا هِىَ﴾ سوء أدب آخر، فالسؤال في هذا المقام يشير إلى إنكارهم واستهزائهم. فهي ليست إلا بقرة، وقد قال لهم نبيهم هذا من أول الأمر بلا تحديد لصفة أو سمة.
ثم يسلك موسى في الإجابة طريقاً غير طريق السؤال، فقد كان بالإمكان أن يبين لهم انحرافهم بصيغة السؤال، ولكنّ أدبه يمنعه من ذلك، وهو لا يريد أن يدخل معهم في جدل شكليّ لا طائل وراءه، فآثر أن يجيبهم كما ينبغي أن يكون المعلم المربي، ومن ثم أبان لهم عن ربه صفة البقرة المطلوبة،
﴿قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾
[البقرة: ٦٨]،
إنها ليست عجوزاً ولا شابة؛ وسط بين هذا وذاك. ونلحظ هنا أنّ موسى دائماً يسند القول إلى الله عز وجل؛ لأنّ هذا أدعى لتحقق الاستجابة من طرفهم.
ثم يُعقّب على هذا البيان الموجز بطلب تنفيذ الأمر، فيقول:
﴿فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ﴾
[البقرة: ٦٨]،
ولقد كان هذا كفاية لمن يريد الالتزام. فقد وجّههم نحو الأدب الواجب في السؤال والتلقي، وحثّهم على أن يعمدوا إلى أيّة بقرة من أبقارهم متوسطة السن، فيخلّصوا بها ذمتهم، وينفّذوا بذبحها أمر ربهم، ويُعفوا أنفسهم من مشقة التعقيد والتضييق. ولكنهم راحوا يسألون مرة أخرى وبالأسلوب نفسه:
﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾
[البقرة: ٦٩]،
وهم هذه المرة يسألون عن لون البقرة، فجاءهم البيان التفصيلي:
﴿قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ﴾
[البقرة: ٦٩]،
وهكذا ضيّقوا على أنفسهم دائرة الاختيار، لقد كانوا في سعة من الأمر فأصبحوا مكلّفين أن يبحثوا عن بقرة متوسطة العمر، لا هي عجوز ولا هي صغيرة، ثم لا بدّ أن تكون صفراء، وأن تكون الصفرة فيها فاقعة، ثم بعد هذا وذاك ليست هزيلة ولا شوهاء، بل تسرّ الناظرين.
ولم يكتفِ بنو إسرائيل بهذا وكأنهم بتلكئهم يريدون أن يتحللوا من التكليف لكن بأسلوب التوائيّ خبيث، فمضوا في طريقهم يعقّدون الأمور ويشددون على أنفسهم فشدد الله عليهم. وقد عادوا مرة أخرى يسألون عن الماهية ويعتذرون هذه المرة بأنّ الأمر مُشْكِلٌ عليهم،
﴿قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾
[البقرة: ٧٠]،
لأول مرة يقرنون السؤال بمشيئة الله، وكأنهم استشعروا لحاجتهم وأنّ الموضوع قد أخذ أكثر مما يستحق، ولا فائدة من التلكؤ، ولن يعفيهم ذلك من التكليف.
وجاءهم الجواب بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة، فضاقت دائرة الاختيار المتاحة لهم، وكانوا في سعة منها وفي غنى عنها،
﴿قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾
[البقرة: ٧١].
وتكاملت بذلك أوصاف البقرة ولا مجال للمزيد، فهي بقرة متوسطة العمر، صفراء فاقع لونها، فارهة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع، ولا بد مع ذلك أن تكون خالصة اللون لا عيب فيها ولا تشوبها علامة ما. فلم يكن بُدٌّ أن يقولوا:
﴿ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾
[البقرة: ٧١].
وكأنّ كل ما مضى لم يكن حقاً، أو أنهم لم يستبينوا أنّ ما جاءهم به هو الحق إلا في هذه اللحظة،
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾
[البقرة: ٧١].
يتبين لنا من خلال هذه المجادلة أنّ موسى عليه السلام كان يجيب على تساؤلات قومه في أدب وحكمة، بينما يردون عليه بكل سخرية واستهزاء، ويتمادون في السؤال عن أشياء لا داعي لها.
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
أ ( ) الهدف من الجدل في القرآن الكريم هو إظهار الحق. ب ( ) أمرنا الله تعالى بمجادلة أهل الكتاب بالشدة والعنف. ج ( ) يلجأ الكفار عند عجزهم في المناظرة إلى استخدام القوة والتهديد. د ( ) الجدل كله مذموم.
- أوضح معنى الجدل في اللغة والاصطلاح.
- ورد الجدل في السياق القرآني للدلالة على عدة أمور، أبينها.
- أذكر اثنتين من ميزات منهج القرآن الكريم في الجدل والمناظرة.
- أمثل على استخدام القرآن الكريم لأسلوب الاستفهام التقريري في المجادلة.