تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تطبيق TawjihiAIادرس وتدرّب من هاتفكحمّل التطبيق

الاختلاف في معرفة المتشابه

جدل القرآن الكريم ومحكمه ومتشابهه · القرآن الكريم وعلومه

آخر تحديث:

محتويات الدرس (٤)

شرح الدرس

الدرس ١٩: الاختلاف في معرفة الآيات المتشابهة

أنزل الله تعالى القرآن على سيدنا محمد ﷺ بلسان عربي مبين، واللغة العربية تميزت عن غيرها من اللغات باتساع دلالات ألفاظها، واشتمالها على وجوه الاستعارة والمجاز، وقد اشتمل القرآن الكريم على أصول الدين ومبادئه العامة التي جاءت بينة واضحة لا تشابه فيها ولا اختلاف، واشتمل كذلك على أحكام شاملة لجميع جوانب الحياة، وانسجاماً مع كون الإسلام جاء رسالة عامة للبشرية فإن أحكامه وتشريعاته جاءت بصورة أحكام ومبادئ عامة تصلح لجميع الأزمنة والعصور، غير أن بعض أحكام أصول الدين ذُكرت في القرآن الكريم في مواضع مختلفة بأساليب متنوعة يشبه بعضها الآخر دون تناقض، فما رأي العلماء في الآيات المتشابهة؟ وهل معرفة المتشابه من آيات القرآن لا يعلم تأويلها إلا الله؟ أم أن الراسخين في العلم يعلمون تأويلها؟ هذا ما سنبينه في هذا الدرس إن شاء الله تعالى.

آراء العلماء في معرفة الآيات المتشابهة:

  • الرأي الأول: أن الآيات المتشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى، وهو رأي الصحابة؛ كابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم، وجمهور العلماء من التابعين ومَن جاء بعدهم. واستدلوا على رأيهم بما يأتي:
  1. أن الله تعالى قسم الآيات إلى محكمات هن أم الكتاب، وهي الآيات البينة الواضحة التي لا لبس فيها ولا إيهام. وقد أخبرنا الله تعالى أنه لا يعلم تأويلها إلا هو، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: ٧]، ثم صرح الله تعالى بأن تأويل الآيات المتشابهة لا يعلمه إلا هو، قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: ٧].
  2. أن الآية الكريمة ذمت الذين زاغوا عن الحق؛ لأنهم يتتبعون ما تشابه من الآيات ابتغاء الفتنة، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: ٧].
  3. أن الواو للاستئناف في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: ٧].

    فقوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} كلام جديد مستأنف، والواو ليست للعطف، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، وقال: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم.

  • الرأي الثاني: أن الآيات المتشابهة يعلم تأويلها الراسخون في العلم، وهو رأي مجاهد والإمام النووي والمعتزلة. واحتجوا بالأدلة الآتية:
  1. أن الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} للعطف لا للاستئناف، والمعنى: أن الله تعالى يعلم تأويلها، وكذلك الراسخون في العلم يؤمنون بها ويعلمون معناها.
  2. يستحيل أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا يعرفونه، قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها، وهذا يعني أن ابن عباس يعلم تفسير القرآن كله محكمه ومتشابهه.
  3. الآيات المتشابهة لا تقتصر على آيات الصفات، بل هي كل ما احتمل أكثر من وجه واحد في معناه، ويشمل الآتي:
  • اللفظ المشترك: كلفظ (القرء)، ويطلق على الطهر والحيض، ولفظ (العين)، وتطلق على العين المبصرة، وعين الماء، والجاسوس، وحقيقة الشيء.
  • اللفظ المجمل: وهو اللفظ المطلق الذي يرد في الخطاب دون بيان المراد منه، كقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: ١٤١]، فلم تبين الآية مقدار الحق، وجاء البيان في السنة الشريفة. وكذلك الأمر بالصلاة والحج جاء بيان شروطهما وأركانهما في السنة الشريفة.

ويمكن الجمع بين الرأيين في معرفة المتشابه بفهم معنى التأويل، ومن خلال التمييز بين التأويل المذموم والتأويل الممدوح.

مفهوم التأويل:

ورد لفظ التأويل للدلالة على ثلاثة معانٍ هي:

  1. التأويل بمعنى التفسير: فهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه، فمجاهد عندما يقول: إنّ الواو في قوله تعالى:

﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ﴾

[آل عمران: ٧]،

للعطف لا للاستئناف إنّما يقصد التأويل بمعنى التفسير، وهذا لا يختص بصفات الله تعالى.

--- <sup>(١)</sup> أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن/ سورة آل عمران، باب ﴿مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ﴾.

  1. التأويل يعني حقيقة ما يؤول إليه الكلام، فإذا أخبرنا القرآن الكريم عن اليوم الآخر وما فيه من جنة أو نار، فالتأويل يعني ذات الجنة وذات النار، وحقيقة الذات الإلهية، وأسماء الله وصفاته، وهذه لا يعلمها إلا الله تعالى، فمَنْ قال: إنّه يجب الوقوف عند لفظ الجلالة (الله) في قوله تعالى:

﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ﴾

[آل عمران: ٧]،

إنّما قصدوا التأويل بهذا المعنى. فمثلاً: وصف الله تعالى نفسه وسماها بأسماء وصفات تُشابه في اللفظ والمعنى أسماء العباد وصفاتهم، إلا أنّ حقيقة الله وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته، لذلك لما سئل الإمام مالك عن قوله تعالى:

﴿ٱلرَّحْمَٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾

[طه: ٥]،

قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك معرفة وقوع الساعة وغيرها من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله وحده.

  1. التأويل بمعنى صرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى معنى آخر بما يتعارض مع مبادئ العقيدة وهو التأويل المذموم.

    ومن التأويل المذموم الذي يوقع أصحابه في التهلكة ما يقوله المُجَسِّدَةُ، وهم الذين شبهوا صفات الله تعالى بصفات المخلوقين، والمُعَطِّلَةُ، وهم الذين نفوا صفات الله تعالى وعطلوها. لذلك فإنّ الأصوب والأسلم هو اتباع مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين يؤمنون بصفات الله تعالى، ويثبتون ما أثبت الله من الصفات لنفسه، دون تكييف أو تحريف أو تشبيه أو تعطيل؛ لقوله تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾

[الشورى: ١١].

وبهذا يظهر أنه يمكن الجمع بين مَنْ يقول: إنّ الآيات المتشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله، ومن يقول: إنّ الآيات المتشابهة يعلم تأويلها الراسخون في العلم بما يأتي:

  • أنّ الإمام مجاهد قصد بالتأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم هو التفسير؛ أي فهم آيات القرآن الكريم من خلال معرفة المقصود بألفاظها. أما آيات الصفات فلا يختلف رأيه فيها عن رأي الصحابة.
  • أنّ مَنْ قال بأنّ تأويل الآيات المتشابهة لا يعلمه إلا الله، إنّما أراد معرفة ما يؤول إليه الكلام، كالبحث في كيفية صفات الله تعالى، أو الوقوف على حقيقة صفات الله، فهذا مما لا يعلمه أحد.

التقويم

  1. أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:

    أ ( ) جمهور العلماء يرون أن الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} للعطف. ب ( ) التأويل كله مذموم، وليس هناك تأويل محمود. ج ( ) تشمل الآيات المتشابهة اللفظ المجمل واللفظ المشترك.

  2. يرى جمهور العلماء أن الآيات المتشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى، أبين الأدلة التي استدلوا بها على رأيهم.
  3. بم استدل القائلون بأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل الآيات المتشابهة.
  4. الآيات المتشابهة لا تقتصر على آيات الصفات، أوضح ذلك.

تعريفات أساسية

اللفظ المجمل

اللفظ المطلق الذي يرد في الخطاب دون بيان المراد منه

التأويل بمعنى التفسير

الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه

التأويل المذموم

صرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى معنى آخر بما يتعارض مع مبادئ العقيدة

معاينة موضوع «الاختلاف في معرفة المتشابه» من وحدة «جدل القرآن الكريم ومحكمه ومتشابهه» في مادة القرآن الكريم وعلومه. أقسام الشرح: ٤، التعريفات: ٣.

المصدر: وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، الاختلاف في معرفة المتشابه (ص ٨٤–٨٧)

موضوعات أخرى في الوحدة

تابع الدراسة