شرح الدرس
الدرس ٢٠: قواعد يحتاج إليها المفسر
يشترط في المفسر لآيات القرآن الكريم أن يكون على علم باللغة العربية من حيث قواعد النحو، وأسس البلاغة والبيان، وعلم الصرف والدلالة، ويحتاج المفسر إلى مجموعة من قواعد اللغة تساعده في فهم آيات القرآن الكريم، ومن هذه القواعد الآتي:
أولاً: الأصل في الضمائر أن تعود على متقدم:
استنبط العلماء من القرآن الكريم والحديث الشريف قواعد لغوية تتعلق بالضمائر، وألفوا العديد من الكتب الخاصة بذلك، ومن أبرز مَن ألف في ضمائر القرآن الكريم أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري. ومن فوائد الضمير الاختصار، فالضمير يغني عن ذكر كثير من الألفاظ، ويحل محلها مع الاحتفاظ بسلامة المعنى دون الحاجة للتكرار، قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: ٣٥] في هذه الآية الكريمة جاء الضمير (لهم) في قوله: (أعد لهم) ليقوم مقام عشرين كلمة ذكرت في أول الآية. والمقصود بالقاعدة أنه لا بد من كلام واضح يُبين يسبق الضمير الغائب بحيث يعود الضمير على أمر سابق مفهوم.
وقد جاء ضمير الغائب في القرآن الكريم ضمن هذه القاعدة وفق أسس، منها:
- أن يكون ما سبق من الألفاظ صريحاً؛ ليفهم ما يعود عليه الضمير، كقوله تعالى: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا} [هود: ٤٢]، فالضمير في ابنه يعود على سيدنا نوح عليه السلام، وهو لفظ بين صريح سابق على الضمير مطابق له.
- أن يكون ما سبق من الألفاظ متضمناً ضمير الغائب، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة: ٨]، فضمير الغائب الوارد في الآية (هو) يعود على (اعدلوا)، والمعنى: أن العدل أقرب للتقوى.
- أن يكون ما سبق من الألفاظ يدل على ضمير الغائب دلالة التزام؛ أي مما يستلزمه الكلام ويدل عليه المعنى، كقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: ١٧٨]، فضمير الغائب الوارد في الآية (إليه) يعود على ولي المقتول الذي عفى عن القاتل وطلب الدية بدل القصاص، وهذا المعنى مما يستلزمه الفعل (عفي).
وقد يتأخر المرجع الذي يعود عليه الضمير، كما في قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} [طه: ٦٧]، فالضمير في قوله (نفسه) يعود على لفظ متأخر وهو كلمة (موسى)؛ أي أن الذي خاف عندما انقلبت العصا إلى ثعبان هو موسى عليه السلام.
ثانياً: التعريف والتنكير:
- النكرة: هي لفظ يدل على شيء شائع غير معين في بني جنسه، مثل: (قلم)، فهي شائعة الدلالة، ولكنها لا تدل على قلم معين. وتأتي النكرة للدلالة على وجوه كثيرة، منها:
- إرادة الإفراد، كقوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ} [القصص: ٢٠]، والمعنى: جاء رجل واحد.
- إرادة النوع، كقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} [البقرة: ٩٦]، فلفظ حياة يدل على أن اليهود يحرصون على أي نوع من أنواع الحياة، فلا فرق بين حياة عزيزة أو ذليلة، المهم أنهم يحرصون على أية حياة ويخافون الموت.
- إرادة التعظيم، كقوله تعالى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ} [البقرة: ٢٧٩]، والمعنى: حرب عظيمة.
- إرادة التحقير، كقوله تعالى: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [عبس: ١٨]، والمعنى: خلق من شيء حقير مهين.
- المعرفة: هي اللفظ الدال على شيء معين خاص، مثل: (القلم)، فهي تدل على قلم بذاته.
والتعريف يدل على وجوه كثيرة، منها:
- حضور المعنى المراد في ذهن السامع تعظيماً له، كقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} [الفتح: ٢٩]، فلفظ (محمد) معرفة؛ لأنه أراد الله بذكره إرشاد المؤمنين إلى تعظيمه ورفعة شأنه.
- حضور المعنى المراد في ذهن السامع تحقيراً له، كقوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: ١]، فلفظ (أبي لهب) معرفة بالإضافة، والمقصود بتعريفه التحقير.
- كراهة ذكر المعرف بالاسم ستراً عليه، كقوله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا} [الأحقاف: ١٧]، فلفظ (الذي) معرفة؛ لأنه اسم موصول، لم يحدده القرآن الكريم ستراً عليه.
- إرادة العموم بلفظ الاسم الموصول، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: ٦٩]؛ فلفظ (الذين) يدل على العموم، وهو وجه من وجوه المعرفة، وتعرف بصفة معينة، وهي في الآية الكريمة صفة الذين جاهدوا في سبيل الله.
ثالثاً: الإفراد والجمع:
وردت بعض الألفاظ في القرآن الكريم بصيغة الإفراد وبصيغة الجمع أحياناً أخرى، إلا أن بعض الألفاظ لم تأتِ في القرآن الكريم إلا بصيغة الجمع، ومثال ذلك: لفظ (الألباب) في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: ٢١]، فلم يرد لفظ (لب) بصيغة المفرد مطلقاً، وإذا كان السياق يستلزم الإفراد جاء مكانه القلب وليس اللب، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: ٣٧]، ولم يقل: لب.
ومن الألفاظ ما ورد في القرآن الكريم بصيغة المفرد والجمع؛ للدلالة على قضية معينة، ومثال ذلك:
- لفظ (السماء): وردت بصيغة الجمع عند إرادة العدد؛ للدلالة على الكثرة والعظمة، كما في قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحشر: ١]، جاء لفظ الجمع هنا؛ للدلالة على كثرة المسبحين لله تعالى وعظمة الخالق في خلقه. أما عند إرادة الجهة فإنها تجيء بلفظ المفرد، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: ٥].
- لفظ (الريح): ورد مجموعاً؛ لإفادة الرحمة، كقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: ٢٢]، وورد مفرداً؛ لإفادة العذاب، كقوله تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: ٦]؛ فالريح التي فيها العذاب واحدة لا تتغير ولا تختلف لذلك جاءت بصيغة المفرد، أما الرياح بصيغة الجمع فتدل على صفات ومنافع كثيرة.
فائدة:
ورد لفظ «الريح» مفرداً في القرآن الكريم؛ ليدل على العذاب إلا في سورة يونس في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا} [يونس: ٢٢].
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
أ ( ) من فوائد استعمال الضمير الاختصار مع الاحتفاظ بسلامة المعنى. ب ( ) الأصل في ضمير الغائب أن يعود على ألفاظ متأخرة تفسر معناه. ج ( ) تعرف النكرة بأنها لفظ وُضع للدلالة على استغراق جميع ما وُضع له من أفراد. د ( ) ورد لفظ السماء والريح في القرآن الكريم بصيغة المفرد فقط.
- ورد لفظ السماء والريح في القرآن الكريم للدلالة على وجوه عديدة، أبين دلالة استخدام هذين اللفظين، مع التمثيل.
- ورد لفظ النكرة في القرآن الكريم للدلالة على وجوه عديدة، أذكر ثلاثة منها، مع التمثيل.