شرح الدرس
يقول أبو الطيب المتنبي، كاشفًا حقيقة افتتاح الشاعر قصيدته بالمقدمة الغزلية وهو ليس بالضرورة محبًا صادقا:
أتأمل
يقول أبو الطيب المتنبي، كاشفًا حقيقة افتتاح الشاعر قصيدته بالمقدمة الغزلية وهو ليس بالضرورة محبًا صادقا: إِذَا كَانَ مَدْحُ فَالنَّسِيبُ الْمُقَدَّمُ أَكُلُّ فَصِيحٍ قَالَ شِعْرًا مُتَيَّمُ؟ أيفهم من بيت الشعر هذا أن المتنبي يعترض على ضرورة أن يفتتح الشاعر قصيدته بالغزل وقد لا يكون بالضرورة محبًا؟ أوضح وجهة نظري.
تمهيد:
- بدءًا ليس صحيحًا أن الموروث الشعري عصيُّ على التغيير، فمن الممكن أن يأتي الشعراء بجديد، ومن الممكن أيضًا أن يُجْروا تعديلات في بنية النص الشعري وأغراضه وأسلوبه، ومن الممكن أيضًا أن يظلوا محافظين أو مقلّدين مَنْ سبقهم من الشعراء.
- إن المطلع على الشعر العباسي ليرى هذا الشعر قد جرى في تيارين شعريين: تيار تقليدي ما زال يحتفظ بدفء موروثه الشعري القديم أو ما يُعرف بالقصيدة التراثية وعمودها الفني والأسلوبي والتعبيري، وتيار تجديدي يحاول أن يواكب عصره ويجعل القصيدة أليق به وبشخصيته الشعرية وخصوصيته.
2.1 تيار المحافظة والتقليد وتيار التجديد
ظهر في العصر العباسي اتجاهان شعريان يختلفان أشد الاختلاف:
الاتجاه التقليدي:
- وقد اتّبعَ أصحابُ هذا الاتّجاه طريقةَ القدماءِ في نظم الشّعر، وساروا على نَهْجِهم، وحافظوا على التّقاليدِ الموروثة، فتجلّت أشعارهم محاكية لأشعار الجاهليين والإسلاميين مع بعض التغيير؛ إذ ظل الشعراء من أتباع هذا التيار ينظمون في الموضوعات القديمة من مديحٍ ورثاء ووصف وحماسة وهجاء وفخر، وكانوا ينسجون شعرهم في هذه الأغراض على منوال القدماء.
- ولعلهم ما كانوا يلهثون وراء التقليد الجامد، إنما هم يرون الشعر القديم أفضل الشعر فنيّة وتعبيرًا وبناءً وأسلوبًا، هذا من جهة، ثم إنهم يحاولون المحافظة على التراث الشعري الذي أحبوه وتعلّقوا به من جهة ثانية، ولا يغيب عنا أن بعض الشعراء لا يتطلعون إلى أن يُغامروا بتوليد فنّيّات جديدةٍ قد تنجح وقد تخفق من جهة ثالثة.
- ولم يغب عن هؤلاء الشعراء سلطة الجمهور عامة والممدوح خاصة، الذين يفضّل أكثرهم الشعر القديم وما جرى على طريقته من جهة أخيرة.
ولا يعني هذا أن هؤلاء المقلّدين قد اكتفوا بأن يكون شعرهم نسخة صمّاء للقصيدة التراثية، إنهم يسيرون على نهج القصيدة التراثية، لكنهم يجعلونها تنبض بشخصيتهم، فنستطيع القول: إن قصائدهم قصائد تقليدية مُجَدَّدة أو مُجَدِّدة. وإن من أهم الأعلام الشعرية لهذا الاتجاه البُحْتُرِي الذي فضله أنصار القديم من علماء لغة وجمهور على أبي تَمَّام زعيم تيار التحديث الشعري.
الاتجاه التجديدي: ونقصد أولئك الشعراء الذين أرادوا من الشعر أن يعبّر عن شخصيتهم وعصرهم وحداثتهم إن جاز لنا التعبير. وقد ثار أولئك على التقاليد الموروثة في الشعر العربي، وحاولوا الإطاحة بعمود الشعر العربي، مصممين على أن يعيدوا تشكيل القصيدة بثوب تجديدي أليق بهم وبعصرهم عبر فنيّات جديدة لم تكن عند الشعراء القدماء. إنهم بهذا أرادوا قصيدة جديدة مُغايرة في بنائها الفني والتعبيري والتصويري، وفي الألفاظ والموضوعات والأساليب والأوزان والقوافي.
ولا شك في أن ثمة دوافع ألجأت الشعراء العباسيين للتجديد، ومن أبرزها:
- الابتعاد عن البداوة والصحراء، ولعل من أبرز حاجات التجديد أن الحياة ابتعدت كل البعد عن مظاهر البداوة والصحراء وما ألفه العربي من ارتحال وقساوة عيش، ليهنأَ في كَنَف حياة معالمُها العمرانُ والتجارة والرغدُ والبساتينُ، فاحتاج ذلك من الشاعر إلى أن يُجَدِّد ثوب القصيدة لتلائم الحياة الجديدة.
- التغيرات العميقة في الحياة الاجتماعية؛ فمن البديهي أن تتغير الحياة الاجتماعية بعد الاختلاط العرقي والانفتاح الحضاري والتقدم المدني والعلمي.
- هاجس التجديد لدى الشعراء العباسيين؛ إذ يحرص الشاعر على أن يكون شعره مُلبيًا لخصوصيته وخصوصية عصره، وأنه دومًا في مسعى لأن يكون شعره مُغايرًا لشعر الآخرين، ولا يريد أن يظل واقفًا على التقاليد الشعرية لمن سبقه من الشعراء، فلا يكون مُقلّدًا أو تابعًا أو أقلّ منهم منزلة وشاعرية.
2.2 الثورة على المقدمة الطللية
حدثت خصومة شديدة في العصر العباسي حول المقدمة الطَّلَلِيَّة ليظهر ثلاثة اتجاهات:
أتذكّر: درستُ في الوحدة الأولى موقفَ الشعراء الجاهليين من الاستهلال بمقدمة طللية. أتبيّن هذا الموقف.
- الاتجاه المحافظ التقليدي: أصرّ الشعراء أصحاب هذا الاتجاه على أن تظلَّ المقدّمة الطللية واجهة القصيدة الشعرية، يجري فيها الشاعر العباسي على نهج من سبقه من الشعراء في افتتاح قصائدهم الشعرية وقصيدة المدح خاصة بالمقدمة الطللية، ولا ننسى أن الخلفاء والأمراء والقادة - ونقصد بهم الممدوح أرادوا أن يُمدحوا كما كان يُمدح من سبقهم، ولم يرغبوا أن تتغيّر معالم قصيدة المدح، ولا ننسى جاذبية المقدمة الطللية لدى الجمهور الذين اعتادوها مُفْتَتَحًا استهلاليًّا جميلًا مُتقنًا في مطلع القصيدة.
- الاتجاه الرافض: وقد دعا شعراء عباسيون إلى التخلص من المقدمة الطللية والدخول إلى المقصود فورًا دون التمهيد بشيء من تلك المقدمات.
- الاتجاه المُجَدِّد للمقدمة الطللية، إذ تبنى شعراء مُجَدّدون أن تُستبدل مقدّمة أخرى بالمقدّمة الطللية، وقد دعا هؤلاء الشعراء المجدّدون إلى أن تظلَّ للقصيدة افتتاحية أو مقدّمة أو استهلال، مع ضرورة أن تكون هذه المقدّمة البديلة أليق بالعصر والحياة والأحداث، وأن تساير النهضة المُحدثة في العصر.
ومن الشعراء المُجَدّدين للمقدمة من رأى عصره عصر مدنية واستقرار وطبيعة غناء لا عصر ارتحال وصحراء وقحط، فدعا إلى أن تُستبدل المقدّمة الحضرية والطبيعية بالمقدّمة الطللية، وقد افتتح أبو تَمَّام الطائي قصيدة له في مدح المعتصم بمقدّمة في وصف الربيع جاء فيها: (أحفظ أول بيت)
رَقَّتْ حَوَاشِي الدَّهْرِ فَهِيَ تَمَرْمَرُ وَغَدَا الثَّرَى فِي حَلْيِهِ يَتَكَسَّرُ
يَا صَاحِبَيَّ تَقَصَّيَا نَظَرَيْكُمَا تَرَيَا وُجُوهَ الْأَرْضِ كَيْفَ تُصَوَّرُ
تَرَيَا نَهَارًا مُشْمِسًا قَدْ شَابَهُ زَهْرُ الرُّبَا فَكَأَنَّمَا هُوَ مُقْمِرُ
رقّت حواشي الدهر: لانت وذهبت قسوتها، تمرمر: تتمايل لينًا ونعمة، يتكسّر: يتثنّى.
2.3 التجديد في الموضوعات والأغراض
جدّد الشعراء في بعض الأغراض التي كانت موجودة ضمن السياق الموضوعي والتعبيري للقصيدة التقليدية، كما أوجدوا موضوعات جديدة بالكامل.
ومن ذلك التجديد الجزئي أو الكلي: شعر الوصف والمقطوعات الوصفية: ثمة وجهان للتجديد يظهر أولهما في نظم المقطوعات الوصفية؛ إذ كان الوصف جزءًا من أجزاء القصيدة الموضوعية، لكن الشعراء المجدّدين صيّروه غرضًا شعريًا خالصًا له نصّه الذي يغلب أن يكون مقطوعات قصيرة، يقول الصنوبري أحمد بن محمد يصف نهر قويق (نهر حلب) وقد قلّ ماؤه صيفًا:
قُوَيْقٌ إِذَا شَمَّ رِيحَ الشِّتَا أَظْهَرَ تِيهًا وَكِبْرًا عَجِيبَا
وَنَاسَبَ دِجْلَةَ وَالنِّيلَ وَالـ فُرَاتَ بَهَاءً وَحُسْنًا وَطِيبَا
وَإِنْ أَقْبَلَ الصَّيْفُ أَبْصَرْتَهُ ذَلِيلًا حَقِيرًا حَزِينًا كَئِيبَا
أما ثانيهما فكان تطرّق الشعراء العباسيين لمضامين وصفية جديدة من واقع عصرهم وحياتهم، ومن ذلك قول البُحْتُرِي يصف بركة المتوكل:
يَا مَنْ رَأَى الْبِرْكَةَ الْحَسْنَاءَ رُؤْيَتَهَا وَالآنِسَاتِ إِذَا لَاحَتْ مَغَانِيهَا
تَنْصَبُّ فِيهَا وَفُودُ الْمَاءِ مُعْجَلَةً كَالْخَيْلِ خَارِجَةً مِنْ حَبْلِ مُجْرِيهَا
شعر الغزل، عرف الشعراء العباسيون الغزل العذريّ كالعبّاس بن الأحنف، وعرفوا الغزل الصريح وغيره. واللافت أننا نجد الشعراء المجدّدين قد دمجوا لونين من الغزل: العفيف والحسي، ليخرج لون جديد «بين بين» فيه عفة وتصريح، وفيه إخلاص ولهو، لكأنهم أرادوا أن يُعبّروا عن واقع حياتهم المدنية التي فيها المتناقضات كلها، يقول الشريف الرضي:
يَا ظَبْيَةَ الْبَانِ تَرْعَى فِي خَمَائِلِهِ لِيَهْنِكِ الْيَوْمَ أَنَّ الْقَلْبَ مَرْعَاكِ
لِيَهْنِكَ: ليفرحك ويجعلك هانئة.
أَنْتِ النَّعِيمُ لِقَلْبِي وَالْعَذَابُ لَهُ فَمَا أَمْرُكِ فِي قَلْبِي وَأَحْلَاكِ
هَامَتْ بِكِ الْعَيْنُ لَمْ تَتْبَعْ سِوَاكِ هَوَى مَنْ عَلَّمَ الْعَيْنَ أَنَّ الْقَلْبَ يَهْوَاكِ
2.4 الإكثار من ظاهرة البديع
أكثر الشعراء العباسيون من تناول ظاهرة البديع التي كانت ترد عند القدماء عَفْوَ الخاطر، على خلاف المُحَدثين الذين قصدوها قصدًا وبالغوا في توظيفها حد الإسراف والإغراق.
وقد رأى بعض الشعراء المجدّدين في المحسنات البديعية طريقًا للتجديد؛ لإضفاء تزيين لفظي يعطي القصيدة جمالية ومُغايرة ومُناسبة لعصرهم الذي يهتم بالظاهر والزينة على حساب المعنى والجوهر، يقول الصّنوبري:
ما الدهر إلا الربيع المُسْتَنِيرُ إِذَا جَاءَ الرَّبِيعُ أَتَاكَ النَّورُ وَالنُّورُ
2.5 التجديد في المعاني
حاول الشعراء العباسيون أن يجدّدوا في المعاني مثلما استطاعوا التجديد في الألفاظ، وقد تبارى بعض الشعراء في توليد المعاني وتجديدها، بالنظر إلى ظنهم أن التجديد في المعنى أصعب من التجديد اللفظي، ولا ننسى أن أقدرهم فنية وتعبيرًا وقدرة شعرية وتجربة عميقة قد لجأ إلى التجديد عبر توليد المعاني سعيًا لتقديم معنى شعري لم يُؤتَ من قبل، قال بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ في بيان أن الأذن تعشق:
يَا قَوْمُ أُذْنِي لِبَعْضِ الْحَيِّ عَاشِقَةٌ وَالْأُذْنُ تَعْشَقُ قَبْلَ الْعَيْنِ أَحْيَانَا
قَالَتْ بِمَنْ لَا تَرَى تَهْذِي فَقُلْتُ لَهَا الْأُذْنُ كَالْعَيْنِ تُوفِي الْقَلْبَ مَا كَانَا
وقد كان بشار مولعًا بالتجديد، ومن الطَّرَف أن بشارًا ظل عاكفًا على محاولة توليد معنى جديد إلى أن أتاه الخاطر فقال:
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ وَفَازَ بِالطَّيِّبَاتِ الْفَاتِكُ اللَّهْجُ
فلم يشع بين الناس ولم يدر على ألسنتهم، فأخذه سَلْمُ بْنُ عَمْرٍو الملقب بسَلْمِ الْخَاسِر - وكان تلميذه - فقال: (أحفظ)
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ هَمًّا وَفَازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسُورُ
فتناشد الناس بيت سَلْمٍ لجزالته وخفته على اللسان وتركوا بيت بشار، فغضب بشار وطرد تلميذه.
2.6 التجديد في الأوزان والقوافي
- طالت الحداثة والتجديد عند الشعراء العباسيين الإيقاع الشعري الخارجي والداخلي؛ فنجد محاولات جريئة للتجديد في الأوزان والبحور العروضية، بالنظر أن الإيقاع بيد الشاعر أو كما قال أبو العتاهية: «أنا أكبر من العروض».
- ومن محاولاتهم التجديدية الإيقاعية والعروضية: الإكثار من النظم على الأوزان الخفيفة والمجزوءة.