شرح الدرس
ازدهر شعر المديح في العصر العباسي ازدهارًا عظيمًا، ولعل من أسباب ذلك حب الخلفاء أن يُمدحوا وإغداق العطاء الكثير على الشعراء، ثم إن كثيرًا من الشعراء جعلوا الشعر حرفة يتكسبون بها، ولا ننسى الشهرة التي
3.1 المديح
ازدهر شعر المديح في العصر العباسي ازدهارًا عظيمًا، ولعل من أسباب ذلك حب الخلفاء أن يُمدحوا وإغداق العطاء الكثير على الشعراء، ثم إن كثيرًا من الشعراء جعلوا الشعر حرفة يتكسبون بها، ولا ننسى الشهرة التي أحاطت ببعض الشعراء تبعًا لشعرهم في المديح.
- وليس بمُستغرب أن يكون المدح ميدان الشعراء وسهامهم الشعرية التعبيرية دون أدنى مبالاة أصادقين كانوا أم كاذبين.
- وليس بمستغرب أيضًا أن نجد بعض الشعراء العباسيين قد وقف شعره على المديح يستجدي به الخلفاء والقادة وعِلْيَة القوم، أو أن نجد مَنْ طاف المكان والزمان بحثًا عن أمير يمدحه أو يجد عنده حلم الغنى أو الشهرة.
إن تقارب مضامين المدح جعلت مضمار المنافسة والإجادة قدرة الشاعر على إجادة بضاعته الشعرية ورؤيته الفنية بأن يضع المعنى الشعري المألوف في نسج شعري فريد، ومنه مدح البُحْتُرِي المتوكل:
تَحَسَّنَتِ الدُّنْيا بعَدْلِك فاغْتَدَتْ وَآفَاقُهَا بِيضٌ وَأَكْنَافُهَا خُضْرُ
هَنِيئًا لِأَهْلِ الشَّامِ أَنَّكَ سَائِرٌ إِلَيْهِمْ مَسِيرَ الشَّمْسِ يَتْبَعُهَا الْقَطْرُ
3.2 شعر الزهد
انتشر تيار الزهد والورع والتقوى في العصر العباسي انتشارًا كبيرًا، وفرّ كثير من الناس بدينهم من فتن الحياة، وجعلوا حياتهم وقفًا على طاعة الله ومَرْضَاتِه؛ فقد كانت المساجد مكتظة بالوُعَّاظ والنُّسَّاك وأهل الحديث والفقه. وهناك شبه إجماع على أن أبا العتاهية يُعد إمام شعر الزهد في العصر العباسي، يعد صفحة مشرقة ناصعة في الزهد وكشف النوازع النفسية كشفًا يصدر عن شخصية عاشت الزهد وتشربته؛ ليكون شعره سجلًا لرحلة الحياة كلها لا لمرحلة وحيدة في حياته..
أبو العتاهية (130 - 211 هـ = 748 - 826 م) إسماعيل بن القاسم (من قبيلة عنزة) بالولاء، أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية: شاعر مُكْثِر، سريع الخاطر، في شعره إبداع. كان في بدء أمره يبيع الجرار فقيل له (الجرّار)، ثم اتصل بالخلفاء وعلت مكانته عندهم. توفي في بغداد.
1 الزهد: ترك حب الدنيا الزائلة. يقول أبو العتاهية::
واللافتُ أنَّ شعراء اللهو والمجون ومَنْ وراءهم من شعراء الخمر قد نظموا في الزهد؛ إذ نجد أشعار زهد وتوبة وتضرُّع عند أبي نواس وبشار بن برد وابن الرومي، وهنا لنا أن نسأل أكان زهد هؤلاء نابعًا من توبة صادقة وهجرٍ للحياة الفاسدة أم هو تقادُمٌ في السنّ وفوات العمر أم هو اتقاءٌ لتوعُّد الخلفاء؟ لعلَّ القصائد الصادقة ذاتَ البوح الأمين تكشفُ صدق هؤلاء الشعراء. ولنتأمل تلك المناجاة التي رسمها أبو نواس بقوله:
3.3 شعر الحكمة
في البدء نستطيع القول إنَّ العصر العباسيَّ كان عصر الحكمة، دون أن ننكر أنَّ هناك جذورًا للحكمة في الشعر والنثر العربيين من قبل؛ إذ نجد حكمةً عميقة في الشعر الجاهلي والإسلامي، ونجد حكمةً تجري في بنية الخطابة والوصايا والأمثال.
كانت الصِّبغةُ الدينية التي واكبت استقرار الدولة الإسلامية وتطوُّر المجتمع الإسلامي، داعيةً إلى انتشار الحكمة في الأدب في العصر العباسي، ومن آثار الحكمة التي مَبْعَثُها الشعورُ الدينيُّ أشعارُ أبي العتاهية والإمام الشافعي، ومما زاد هذه الحِكَمِ ذيوعًا ما كان يجاورُها من مظاهر الترف السافر وانتشار اللذات، فكانت الحكم الدينية حاجةً ملحةً لرد هذه الفتن وتثبيت النفس على النقاء والصفاء والعفّة.
- وثمة يدٌ للفلسفة اليونانية في انتشار الحكمة ومَدِّها بالمعاني والتعبيرات المقنعة؛ إذ أقبل العباسيون -ومنهم الشعراء والأدباء- على دراسة الفلسفة اليونانية، فتأثروا بتلك الفلسفة، وزاد تعلّقهم بالحكمة، واصطبغت حكمتهم بصبغةٍ فلسفيَّةٍ أقرب إلى القضايا المنطقية وأشبه بالاستقراء العلمي، ولعلَّ أقرب الأمثلة على تأثُّر الشعراء بالفلسفة اليونانية في حكمتهم أشعارُ المتنبي والمَعَرّي.
- ومن غير ريب أنَّ الحكمة في شعر المتنبي بلغت الذروة، بل وصلت حدًّا أن الشاعر أصبح حكيمًا.
- وبلغ من تقصُّد الشعراء تضمينَ الحكمة في أشعارهم أن قيل في الموازنة بين أبي تمام والمتنبي والبحتري إن أبا تمام والمتنبي حكيمان، وإنَّ الشاعر هو البحتري؛ لكثرة ما في شعرهما من الحكم.
أفكر: قامت دعوات في نقدنا الحديث إلى أن ينظر للأدب بنظر إلى أدبيته وفنيته لا لمطابقته الواقع ورسالته الأخلاقية والحكمة فيه، وهو قريب لما يعرف بمبدأ الفن للفنّ أبين رأيي في هذا المبدأ.
ويبدو أن هذا التوجُّه الشعري المبني على الفلسفة والحكمة والمنطق لم يَرُقْ لبعض الشعراء الذين أرادوا الحفاظ على أصالة الهوية العربية للتعبير الشعري بعيدًا عن الفلسفة والمنطق والاستدلال، يقول البحتري في تفضيل الشعر المبني على التعبير الفني لا الفلسفة والمنطق:
ومن الأمثلة على شعر الحكمة أنَّ أبا تمام حين قدَّم حكمةً في ظهور فضل المحسود على يد الحاسد ضرب لذلك مثلاً اشتعال النار فيما جاورت وإعلانها بذلك طيب عرف العود:
3.4 رثاء المدن:
ظهرت ضروبٌ جديدةٌ في الرثاء لم تكن معروفةً من قبل، ومن هذه الضروب ظاهرةُ رثاء المدن حين تنزلُ بها كوارث الدمار والنهب والحرق. ومن الجلي أنَّ رثاء المدن يمثل استجابةً عاطفيةً صادقةً من الشاعر لمدينته أو مسقط رأسه أو المدينة التي تعلّق بها نتيجةً ضربين من الكوارث:
- كوارث الطبيعة؛ إذ يصيبُ المدينةَ الخرابُ بعد زلزالٍ أو سيولٍ جارفةٍ أو مجاعةٍ أو قَحط، فيهبُّ الشاعر يرثي مدينته.
- كوارث بشريَّة؛ إذ يصيبُ المدينةَ القتلُ والتدميرُ نتيجةَ حروبٍ أو فتنٍ أو ثورات.
من أجمل قصائد رثاء المدن رثائية ابن الرومي البصرة حين عاثَ الزِّنْجُ بها فسادًا وقتلًا ودمارًا؛ فقد هجم عليُّ بن محمدٍ الوَرْزَنِينِيّ الشهير بصاحب الزنج بجموعه على البصرة فنهب وسلب وحرقها وفتك بأهلها، يقول ابن الرومي في رثاء البصرة: (أحفظ ثاني بيت)
3.5 شعر الحرب:
كانت الحماسةُ والفروسيةُ نَبْعًا للشعراء الذين أرادوا أن يزيّنوا قصائدهم بالشجاعة والإقدام ووصف المعركة.
- وجاء العصر العباسي وقد أخذ فيه الشعراء يغوصون بحثًا عن الموضوعات الجزئيَّة، متكئين على جوانب تكشفُ قدرتهم الوصفيَّة.
- وقد كانت البطولات والانتصارات تبعثُ في الشاعر الاعتزاز وتحديد مسار البطولة، ليظهرَ ضَرْبٌ شعريٌّ متصلٌ بالفروسية عرف بشعر الحرب أو «الحربيات» وهي قصائد أو مقطوعات شعريَّة تسلِّط الضوء على الحرب والمعركة وترسمُ تفاصيلها، وتنيرُ البطولة والأحداث من معارك برِّيَّة أو بحريَّة، وتصفُ الوصف الدقيق لأدواتها، وتعلنُ الانتشاء بالنصر.
إن قصائد الحرب في العصر العباسي تعدُّ وثائق تاريخيَّة مهمة، حين يتتبّعُ الشاعرُ بقصيدتِه الحربَ في تفاصيلها كلّها، فيرسم جَوَّ ما قبل المعركة واستعداد الجيوش، ويعلنُ عن أعدادهم فنيًا، ويرصد تحركاتهم ويضع كشفًا لأسلحتهم وعتادهم، ويضيء ساحة المعركة بما أمكنه من تعبير شعري يمزج بين الصدق الموضوعي والتاريخي من جهة، والمبالغة الفنيَّة الأدبية من جهة أخرى.
وتُعدُّ المعارك البحريَّة من الموضوعات التي أبدع فيها الشعراء العباسيون وأتقنوا وصفها، وفيها يصفُ الشاعرُ الأسطول الحربيَّ ومجريات المعركة، ويبثُّ في ثنايا القصيدة التعبير عن حماسة الجيش وإقدامه في مواجهة العدو والبحر، يقول البحتري يصف معركة بحريَّة، ويمدح أحمد بن دينار وقد غزا الروم في مراكب: