تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تابعنا على تيليجرامانضم

عدل الله تبارك وتعالى (حفظ وشرح)

الحديث النبوي الشريف (حفظ وشرح) · الحديث الشريف وعلومه

آخر تحديث:

محتويات الموضوع (٩)

شرح الموضوع

الدرس

عدل الله تبارك وتعالى (حفظ وشرح)

الدرس ١٥

عدل الله تبارك وتعالى (حفظ وشرح)

عن أنس بن مالك ؓ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله لا يَظلِمُ مُؤمناً حسنةً؛ يُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة، وأمّا الكافرُ فيُطعَمُ بحسناتِ ما عملَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرةِ لم يكنْ لهُ حسنةٌ يجزى بها»(١).

■ شرح الحديث

العدل هو الأساس الذي يقوم عليه الوجود، والله تعالى هو العدل، وكل عدلٍ عند غيره إنّما هو مستمدّ من عدله سبحانه وتعالى، فعدالة الله تعالى مطلقة، لا تشوبها شائبة ظلم أو جَوْر، فهو الذي حرّم الظلم على نفسه، كما ورد في الحديث القُدسي: «يا عبادي، إنّي حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا»(٢)، والظلم هو وضع الشيء في غير مكانه، وهو منقصةٌ في حق فاعله، ولذلك فإن الله تعالى تنزّه عنه، وأراد لعباده البعد عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ۝﴾ الكهف: ٤٩، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ۝﴾ فصلت: ٤٦.

وفي تأكيد الله تعالى على العدل معنيان

الأول: تنزيه الله تعالى عما لا يَليق به سبحانه. الثاني: طمأنينةٌ لقلوب العباد؛ فالرب الذي يعبدونه عدل مطلق العدالة، ولا يظلم شيئاً وإن كان مثقال حبة، وهذا يعني أنّ عبادتهم وجهودهم لن تضيع سُدىً، فهو الذي يجازيهم عليها، ويثيبهم في الدنيا والآخرة.

ومن كمال عدله سبحانه وتعالى أنه يجازي العصاة على قدر معصيتهم، وليس على قدر عظمته وقوته وجبروته، فهو قادرٌ على أن يوقع على مَنْ عصاه ألواناً شتى من العذاب لا يقوى عليها مخلوق، ولكنّه سبحانه يجازي على قدر المعصية، ويعفو عن كثير، ولا يُضاعِف سيئات العصاة كما يفعل مع الطائعين، وهذا من فضله وكرمه سبحانه.


١ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته، حديث رقم ٧٠٢٠. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، حديث رقم ٢٥٧٧.

٦١ الوحدة الأولى: الحديث النبوي الشريف (حفظ وشرح) ■ هل يُعامِلُ الله تعالى الخلق بعدله أم بفضله؟ العدل من أجمل الكلمات وقعاً على الإنسان، فهي تبعث الطمأنينة في قلب السامع، فغاية الإنسان في حياته أن يُعامَل بالعدل من ولاة أمره ومَنْ يتولى شؤونه، لكن لو طبقنا هذا الأمر في علاقة الإنسان مع ربه، لكان في ذلك هلاكه وتعاسته في الدنيا والآخرة؛ وذلك لضعف الإنسان وكثرة أخطائه، فما أن ينتهي من معصية حتى يقع في اخرى، والعدل هنا يقتضي أن يُثاب المحسن على إحسانه، وأن يعاقب المسيء على إساءته، ولكثرة معاصي الناس؛ فالعدل يقضي بأن يعاقبوا عليها، ولو حدث ذلك لهلكوا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ...﴾ فاطر: ٤٥، فالله تعالى برحمته جعل لهم مخرجاً من ذلك، ومنّ عليهم بفضله، وفتح لهم أبواب توبته، فمَنْ وقع في معصيةٍ ثم شعر بخطئته فتاب إلى ربه وندم على ما فعل، فإنّ الله يتوب عليه ويعفو عن خطئه.

ومن رحمته سبحانه أيضاً أنه يعطي الإنسان فرصة طويلة للتوبة، فالتوبة مقبولة من الإنسان طالما هو على قيد الحياة ما لم يصل إلى مرحلة النزاع، قال ﷺ: «إنّ الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يُغرغِر»(١)؛ أي: أنّ الكافر أو العاصي لا يُعاقَبُ على الذنب مباشرة، بل يترك له المجال لعله يعود إلى الله ويتوب إليه، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًا ۝﴾ الكهف: ٥٨، فالمجال مفتوح لمَنْ اراد أن يتوب، ويغيّر من سلوكه في الحياة، وهذا من رحمة الله تعالى وفضله.

■ جزاء المؤمن عطاءٌ في الدنيا ونعيمٌ في الآخرة: في قوله ﷺ: «إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنةً يُعطى بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة» يبين أنّ الله تعالى لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملاً، فهو يجازي المؤمن على حسناته، ولا يظلمه قيد انملة، قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ ۝﴾ الزلزلة: ٧، ومن رحمة الله وفضله أنّه يجازيه على عمله مرتين: مرة في الدنيا ومرة في الآخرة. ففي الدنيا يبارك الله تعالى له في عمره، ويبارك له في رزقه، ويورثه السعادة والهناء، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝﴾ النحل: ٩٧. وقد ورد في أحاديث المصطفى ﷺ بعض الأعمال التي يثاب المسلم عليها في الدنيا، كقوله ﷺ: «مَنْ


١ أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار، وقال: حسن صحيح.

أحبَّ أن يُبسطَ له في رزقه، ويُنسَأ له في أثره فليصل رحمه»(١)، فالحديث يبين أنّ صلة الرحم تزيد وتبارك في الرزق، وتطيل العمر وتباركه. أمّا في الآخرة فكل الخير والنعيم مدَّخر للمؤمن الذي عمل الصالحات، حيث يثاب على عمله أضعافاً كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٍ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍ ۗ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ۝﴾ البقرة: ٢٦١.

■ جزاء الكافر عطاءٌ في الدنيا

في قوله ﷺ: «وأمّا الكافر فيُطعم بحسناتِ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها». يبين كمال عدل الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ۝﴾ الكهف: ٤٩، وكلمة «أحداً» تفيد العموم، فهي تشمل المسلم والكافر، ولذلك يجازي الله الكافر إذا صدر منه عمل صالح، كما يفعل بعضهم بالتبرع للفقراء، أو المدارس، أو المستشفيات، بأن يعطيهم ثمرة هذا العمل في الدنيا، ولذلك جاء في حديث الباب: «وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا»، فالله يرزقهم ويطعمهم بثمرة عملهم الجيد في هذه الحياة. وإذا دققنا النظر في الحديث نجد فيه قيداً، وهو أن يكون عمل الكافر لله؛ «فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا»، فهل يعمل الكفار شيئاً لله؟ وفي سبيله؟

وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من التوضيح أنّ الكفر نوعان: الأول: كفر إلحاد: أي: أنّ الكافر يُنكر وجود ربه ولا يؤمن به؛ كقول بعضهم: لا إله والحياة مادة، أو أنّ الطبيعة خلقت نفسها بنفسها، وهذا النوع هو الذي لا يعمل لله. الثاني: كفر ليس فيه إلحاد: أي: أنّ الكافر لا يُنكر وجود الله، لكنّه يحمل صورة خاطئة عن الخالق سبحانه، أو يؤمن به ولا يؤمن ببعض أنبيائه، كما هو الحال عند اتباع بعض الأديان، أو أن ينكر بعض المسلَّمات في الدين؛ كأن يُنكر القضاء والقدر أو البعث أو يُنكر الصلاة والصيام... إلخ، فهؤلاء قد يصدر منهم عملٌ صالح يقصدون به وجه الله تعالى؛ كالصدقة أو حسن الخُلُق... إلخ، وهؤلاء هم المعنيون في الحديث الذين يُعطَوْنَ نتيجة أعمالهم في الدنيا.


١ أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب، باب مَنْ بسط له في الرزق بصلة الرحم.

٦٣ الوحدة الأولى: الحديث النبوي الشريف (حفظ وشرح)

هل يثاب الكافر على عمله يوم القيامة؟

أجمع العلماء على أنّ الكافر الذي مات على كفره لا ثواب له في الآخرة، ولا يُجازى على عمله الصالح يوم القيامة، وهذا ما صرح به حديث الدرس: «حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنةٌ يُجزى بها»، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾

[الفرقان: ٢٣].

وإذا سأل سائل: أليس في هذا ظلمٌ؟ لماذا لا يجازى الكافر على عمله الصالح طالما أنّ فيه نفعاً للناس؟

وجواب ذلك على شقين:

  1. إنّ كان الكافر مِمَّن يُنكر وجود الله ولا يؤمن به، فليس له جزاء حسن عند الله؛ فمن المقبول عقلاً أنّ من يعمل لغاية معينة يتحقق تمام مقصده بتحقيق تلك الغاية، وأنّ العامل يطلب أجره مِمَّن عمل عنده، والكافر إنما يعمل للدنيا فكيف يطلب أجره من الله تعالى؟
  2. إنّ كان الكافر ممّن يؤمن بالله لكن مصطلح الكفر أُطلق عليه لسبب آخر؛ كإنكاره أحد أركان الإيمان؛ أو أُطلق عليه الكفر بسبب تصور خاطئ عن الله؛ كتشبيهه ببعض خلقه، أو بسبب إنكاره لمعلوم من الدين بالضرورة: فكل هؤلاء لا يثابون على عملهم الصالح في الآخرة؛ لأنّ الإيمان معتقد يُبنى على تصور متكامل، فلا يُقبلُ أن يُجزّأ، قال تعالى:

﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَٰئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِۦ...﴾

[البقرة: ٢٨٥]،

فلا تفريق بين رسول ورسول، ولا بين ركن وركن، أضف إلى ذلك أنّ العمل حتى يكون مقبولاً عند الله، لا بد من توافر شرطين فيه:

  • أن يكون العمل خالصاً لله تعالى.
  • أن يكون موافقاً لما شرع الله من كتاب وسنة.

والنقص يدخل على عمل الكافر من أحد هذين الفرعين أو من كليهما؛ فعمل الكافر فيه خلل من جهة التوحيد والإخلاص، وفيه خلل من جهة موافقته للشرع، ولذلك لا يقبل الله تعالى هذا العمل في الآخرة.

يستفاد من الحديث:

  1. الله تعالى عدلٌ، ولا يظلم أحداً من خلقه؛ لا مؤمناً ولا كافراً.
  2. المسلم مأجور على عمله في الدنيا والآخرة.
  3. الكافر يجازى على أعماله الحسنة في الدنيا.
  4. ثقة المسلم بعدل الله ورحمته تدفعه للعمل والاجتهاد.

التقويم

  1. أكمل قوله ﷺ: «إنّ الله لا يظلم مؤمناً .................... الحديث».
  2. حرّم الله تعالى الظلم على نفسه، أوضح ذلك.
  3. أُبيّن أيهما أفضل للإنسان أن يعامله الله تعالى بالعدل أم بالفضل.
  4. أشرح قوله ﷺ: «وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا».
  5. أذكر نوعي الكفر الواردين في الدرس.
  6. أعلل ما يأتي:
  • أ الكافر لا يثاب على عمله يوم القيامة.
  • ب ثقة المسلم بعدل الله تدفعه إلى العمل.

تعريفات أساسية

الظلم

وضع الشيء في غير مكانه

كفر إلحاد

أنّ الكافر يُنكر وجود ربه ولا يؤمن به

كفر ليس فيه إلحاد

أنّ الكافر لا يُنكر وجود الله، لكنّه يحمل صورة خاطئة عن الخالق سبحانه، أو يؤمن به ولا يؤمن ببعض أنبيائه

معاينة موضوع «عدل الله تبارك وتعالى (حفظ وشرح)» من وحدة «الحديث النبوي الشريف (حفظ وشرح)» في مادة الحديث الشريف وعلومه. أقسام الشرح: ٩، التعريفات: ٣.

المصدر: وزارة التربية والتعليم العالي، عدل الله تبارك وتعالى (حفظ وشرح) (ص ٦٩–٧٣)

موضوعات أخرى في الوحدة

تابع الدراسة