شرح الدرس
الدرس ١٢: الأمثال في القرآن الكريم
الحقائق السامية في معانيها وأهدافها تأخذ صورتها الرائعة إذا صيغت في قالب حسن يقربها إلى الأفهام؛ وذلك بإظهار هذه المعاني بصورة محسوسة، والتمثيل هو القالب الذي يبرز المعاني في صورة حية تستقر في الأذهان؛ وذلك مثل تشبيه الغائب بالحاضر، والمعقول بالمحسوس. وكم من معنى جميل أكسبه التمثيل روعة وجمالاً، فكان ذلك أدعى لتقبل النفس له، واقتناع العقل به، وهو من أساليب القرآن الكريم في ضروب بيانه ونواحي إعجازه. ولأهمية الأمثال في القرآن الكريم أفردها بعض العلماء بالتأليف والتصنيف، كأبي الحسن الماوردي، وابن قيم الجوزية.
تعريف الأمثال:
الأمثال: جمع مثل، وهو في اللغة: الشَّبَه. وفي الاصطلاح: أسلوب في الخطاب يقوم على إبراز المعنى المعقول بصورة حسية تزيده وضوحاً وجمالاً؛ وذلك بتشبيه حال وقعت في الحاضر بحال وقعت في الماضي، كقولهم: (رُبَّ رمية من غير رام).
صور الأمثال في القرآن الكريم:
للأمثال في القرآن الكريم صور عديدة، منها:
- يأتي المثل في القرآن الكريم على صورة تشبيه ضمني غير صريح، كقوله تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: ١٢]. فالآية الكريمة شبهت حال المغتاب بحال من يأكل لحم أخيه ميتاً؛ للتنفير من الغيبة.
- يرد المثل في القرآن الكريم خالياً من التشبيه والاستعارة، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: ٧٣]. ضرب الله تعالى مثلاً للذي يعبد آلهة أخرى مع الله تعالى بالذي سلبه الذباب شيئاً ولم يستطع إرجاعه؛ وذلك لبيان عجز ما يعبد من دونه تعالى.
- ويأتي المثل في القرآن الكريم على صورة قصة، كقوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: ٣٢].
أنواع الأمثال في القرآن الكريم:
الأمثال في القرآن الكريم ثلاثة أنواع:
- الأمثال الصريحة.
- الأمثال الكامنة.
- الأمثال المرسلة.
النوع الأول: الأمثال الصريحة:
وهي ما صُرِّح فيها بلفظ المثل أو ما يدل على التشبيه. وهي كثيرة في القرآن الكريم، ومنها: قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: ٤١]. جاء هذا المثل في هذه الآية الكريمة صريحاً؛ وذلك بتشبيه حال الذين اتخذوا أولياء من دون الله بحال بيت العنكبوت في وهنه وضعفه.
النوع الثاني: الأمثال الكامنة:
وهي التي لم يُصرَّح فيها بلفظ المثل، ولكنها تضمنت معنى المثل بإيجاز، ويكون لها وقعها إذا نقلت إلى ما يشبهها، كقوله تعالى في النفقة: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: ٦٧]، وقوله تعالى في الصلاة: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: ١١٠]. فالآيتان تضمنتا معنى قولهم: (خير الأمور أوسطها).
النوع الثالث: الأمثال المرسلة:
وهي جمل أرسلت إرسالاً فصارت مثلاً بلفظها وصيغتها، كقوله تعالى: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يوسف: ٥١]، فالآية الكريمة وردت بخصوص براءة يوسف عليه السلام مما اتهم به، ثم صارت تستخدم بنصها لكل حالة مماثلة.
فوائد الأمثال:
بالنظر والتدبر في الأمثال الواردة في القرآن الكريم نجد أنها جاءت لتقريب الشيء المراد للعقل وتصويره.
بصورة محسوسة، قال تعالى: {وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم: ٤٥]، فامتن الله تعالى علينا بضرب الأمثال؛ لما تضمنته من الفوائد والحكم الجليلة، منها:
- الترغيب في الأمر المطلوب، كقوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٦١]. فقد ضرب الله تعالى مثلاً لحال المنفق في سبيل الله بالحبة التي أنبتت سبع سنابل، وفي كل سنبلة مئة حبة، وفي ذلك ترغيب في الإنفاق في سبيل الله.
- التنفير من المعاصي، كقوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: ٥]. شبه الله تعالى الذي يحمل العلم ولا يعمل به بالحمار الذي يحمل أسفاراً ولا ينتفع بها.
- مدح من ضرب به المثل، كقوله تعالى في مدح الصحابة رضي الله عنهم: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: ٢٩].
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
( ) تشبيه الغائب بالحاضر، والمعقول بالمحسوس من أساليب القرآن الكريم. ( ) المثل هو إبراز الشيء المعنوي في صورة عقلية. ( ) يطلق المثل في القرآن الكريم على الحال والقصة العجيبة. ( ) الأمثال الكامنة في القرآن الكريم هي التي يصرح فيها بلفظ المثل.
- أذكر صورتين للأمثال في القرآن الكريم، وأشرح واحدة منها.
- أعرف الأمثال المرسلة، وأذكر مثالاً واحداً عليها.
- أذكر ثلاث فوائد لضرب المثل في القرآن الكريم.
- أعرف الأمثال الصريحة، وأذكر مثالاً واحداً عليها.
٤٩ الوحدة الثالثة: الأمثال والقسم في القرآن الكريم