شرح الدرس
يَقُولُ عَمْرُو بنُ كُلثُوم:
الوحدة الأولى: الأدب في العصر الجاهليّ
(دُرَيدُ بنُ الصِّمَّة - شاعِرٌ جاهِلِيٌّ)
نتاجات التعلّم:
- يَتَعَرَّفُ قَضايا أَدَبِيَّةً فِي العَصرِ الجاهِلِيِّ.
- يُوَضِّحُ عَلاقَةَ الشِّعرِ الجاهِلِيِّ بِالحَياةِ الجاهِلِيَّةِ.
- يُبَيِّنُ بَعضَ أَغراضِ الشِّعرِ الجاهِلِيِّ (الغَزَل، الفَخر، الوَصف).
- يَستَنتِجُ خَصائِصَ الشِّعرِ الجاهِلِيِّ (النَّهجَ الفَنِّيَّ لِلقَصِيدَةِ الجاهِلِيَّةِ، لُغَةَ الشِّعرِ).
- يَتَعَرَّفُ المُعَلَّقاتِ (سَبَبَ التَّسمِيَةِ، أَصحابَها).
- يُحَلِّلُ نَمُوذَجًا شِعرِيًّا مِنَ المُعَلَّقاتِ.
أَستَعِدُّ
يَقُولُ عَمْرُو بنُ كُلثُوم:
أُحَدِّدُ فِي ضَوءِ فَهمِي لِقَصدِ الشّاعِرِ بِالجَهلِ أَكانَ يَقصدُ عَدَمَ العِلمِ، فَلَم يَعلَم أَنَّهُ يَقِفُ فِي وَجهِ مَن هُوَ أَقوَى مِنهُ، أَم أَنَّهُ الطَّيشُ والسَّفاهَةُ فَيَرَى نَفسَهُ فَوقَ مَن هُم أَقوَى وأَعظَمُ مِنهُ؟
أَتَذَكَّرُ
دَرَستُ فِي صُفُوفٍ سابِقَةٍ قَصائِدَ لِشُعَراءَ جاهِلِيِّينَ، ومِنهُم .............، وأَتَذَكَّرُ مِن قَصِيدَتِهِ بَيتَهُ: ............................
ويَنبَغِي العِلمُ أَنَّ كَلِمَةَ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي أُطلِقَت عَلَى هَذا العَصرِ لَيسَت مُشْتَقَّةً مِنَ الجَهلِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ العِلمِ ونَقِيضُهُ، وإِنَّما مُشْتَقَّةٌ مِنَ الجَهلِ بِمَعنَى السَّفَهِ والطَّيشِ.
1.1 مَلامِحُ الحَياةِ الجاهِلِيَّةِ:
لَقَد كانَ لِلبِيئَةِ والظُّرُوفِ الَّتِي أَحاطَت بِالقَبائِلِ العَرَبِيَّةِ قَبلَ الإِسلامِ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي حالَتِهِم الاجتِماعِيَّةِ، وقَد كانَ الشِّعرُ مِرآةَ تِلكَ الحَياةِ؛ إِذ رَفَعَ الشِّعرُ لِواءَ الإِعلامِ والوَصفِ والتَّوثِيقِ لِحَياةِ الإِنسانِ الجاهِلِيِّ. ولَعَلَّ أَهَمَّ مَلامِحِ الحَياةِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي كَشَفَها لَنا الشِّعرُ الجاهِلِيُّ:
- النِّظامُ القَبَلِيُّ، فَحُبُّ الفَردِ قَبِيلَتَهُ وتَفانِيهِ فِي إِخلاصِهِ لَها، والعَمَلُ عَلَى رَفعِ شَأنِها، وإِعلاءِ كَلِمَتِها، وتَعَصُّبُهُ لَها وَحدَها، كُلُّ ذَلِكَ جَعَلَهُ يَتَجاهَلُ غَيرَها، ولا يَعترِفُ بِحَقِّ الحَياةِ أَوِ المِلكِيَّةِ لأَحَدٍ سِواها، ولا نَستَغرِبُ أَن يَصِلَ الأَمرُ إِلَى ذَوبانِ شَخصِيَّةِ الفَردِ أَمامَ قَبِيلَتِهِ؛ فالرَّأيُ لَها أَوَّلًا وأَخِيرًا. يَقُولُ دُرَيدُ بنُ الصِّمَّةِ فِي تَقدِيمِ رَأيِ قَبِيلَتِهِ «غَزِيَّةَ» عَلَى رَأْيِهِ:
- غِيابُ الحُكُومَةِ المَركَزِيَّةِ أَو ما يُعرَفُ بِالدَّولَةِ، فَلَم يَكُنِ العَرَبُ فِي الجاهِلِيَّةِ متّحدينَ تحتَ رايةِ دولةٍ واحدة، إِنَّما كانَ الانتِماءُ كَما أَشَرنا سابِقًا إِلَى القَبِيلَةِ وهِيَ صاحِبَةُ القَرارِ فِي مَسائِلِ النّاسِ. وتَجدُرُ الإِشارَةُ إِلَى أَنَّ ثَمَّةَ مَمالِكَ قَد ظَهَرَت فِي بَعضِ مَناطِقِ أَرضِ العَرَبِ، لَكِنَّها لَم تَكُن قادِرَةً عَلَى أَن تَجمَعَ العَرَبَ جَمِيعًا تَحتَ لَوائِها.
- صُعُوبَةُ الحَياةِ، كانَت أَرضُ الجَزِيرَةِ في مناطقَ شاسعةٍ صحراءَ قاحلة، شَمسُها حارَّةٌ وغَيثُها شَحِيحٌ، ولَعَلَّ هَذِهِ الحَياةَ القاسِيَةَ تُفَسِّرُ لَنا الارتحالَ الدّائِمَ، ولَيسَ بِمُستَغرَبٍ أَن نَجِدَ الجُزءَ الاستِهلالِيَّ مِنَ القَصِيدَةِ الجاهِلِيَّةِ حافِلًا بِوَصفِ المَكانِ والطَّبِيعَةِ القاسِيَةِ والارتحالِ.
- الاقتِتالُ الدّائِمُ: أَبْرَزُ الشِّعرِ الجاهِلِيِّ صُورَةَ الحَياةِ الاجتِماعِيَّةِ لِلعَرَبِ فِي عَصرِ الجاهِلِيَّةِ، ولَعَلَّ أَهَمَّ مَعالِمِ هَذِهِ الحَياةِ الاجتِماعِيَّةِ صِفَةُ الاقتِتالِ الدّائِمِ وكَثرَةِ الغَزَواتِ، وكانَ مِن أَهَمِّ قَوانِينِها قانونُ الأَخذِ بِالثَّأرِ، ووَصَلَ الأَمرُ بِبَعضِ فُرسانِ العَرَبِ يُحَرِّمُ عَلَى نَفسِهِ النَّعَمَ والمَلَذّاتِ والطِّيبَ والنَّومَ الهانِئَ حَتَّى يَثأَرَ مِنَ القاتِلِ. يَقُولُ تَأَبَّطَ شَرًّا إِذ يَصِفُ نَفسَهُ بِأَنَّهُ لا يَرتاحُ ولا يَطمَئِنُّ ولا يَهنا بِنَومٍ لِأَنَّ لَهُ مَبدَأً فِي فُرُوسِيَّتِهِ أَنَّهُ يَظَلُّ يُطارِدُ الثَّأرَ ويُقاتِلُ الفُرسانَ الأَشِدّاءَ:
وقَد أَطلَعَنا التّارِيخُ على معاركَ وحروبٍ كثيرة مشهورة سمّوها أيامًا لِأَنَّها كانَت تَجرِي نَهارًا، مِنها حَربُ البَسُوسِ بَينَ قَبِيلَتَي بَكرٍ وتَغلِبَ، وحَربُ داحِسٍ والغَبراءِ بَينَ عَبسٍ وذُبيانَ، ويَومُ ذِي قارٍ بَينَ العَرَبِ والفُرسِ وهُوَ مِن أَعظَمِ أَيّامِ العَرَبِ، ويَومُ البَيداءِ بَينَ حِميَر وكَلبٍ.
- الإِعلاءُ مِن مَكارِمِ الأَخلاقِ: اتَّصَفَ العَرَبِيُّ بِصِفاتٍ عَدِيدَةٍ مِن أَهَمِّها المُرُوءَةُ الَّتِي تَضُمُّ مُجمَلَ خِصالِهِم، كَالحِلمِ والكَرَمِ والوَفاءِ وحِمايَةِ الجارِ والغَضِّ عَنِ العَوراتِ، والفُرُوسِيَّةِ والشَّجاعَةِ، ولَعَلَّ خَصلَةَ الكَرَمِ تَفُوقُ الخِصالَ جَمِيعَها، إِذ كانوا يُوقِدُونَ النّارَ لَيلًا لِيَهتَدِيَ إِلَيهِم التّائِهُونَ، يُؤمِنُونَهُم ويُطعِمُونَهُم حَتَّى ولَو كانوا مِن أَعدائِهِم، ويُعَدُّ حاتِمٌ الطّائِيُّ مَضرِبَ المَثَلِ فِي الكَرَمِ، وكَذَلِكَ عَوفُ بنُ الأَحوَصِ الَّذِي يَقُولُ فِي بَيانِ كَرَمِهِ وقَد أَشعَلَ نارَهُ لِلتّائِهِينَ، وزَجَرَ كِلابَهُ حِينَ قَدِمَ الضُّيُوفُ:
التَّفاوُتُ الطَّبَقِيُّ
- الكَمِيُّ المَشَيَّعُ: الفارِسُ الشُّجاعُ.
ولا يَعنِي ذَلِكَ أَنَّ المُجتَمَعَ الجاهِلِيَّ كانَ مِثالِيَّ الأَخلاقِ؛ إِذ لَم يَخلُ مِن آفاتٍ اجتِماعِيَّةٍ مِن مِثلِ شُربِ الخَمرِ وامتِهانِ المَرأَةِ.
- التَّفاوُتُ الطَّبَقِيُّ: كانَتِ القَبِيلَةُ تَتَأَلَّفُ مِن ثَلاثِ طَبَقاتٍ: أَبناءِ القَبِيلَةِ، والعَبِيدِ، والمَوالِي. أَمّا السِّيادَةُ والغَنائِمُ والرَّأيُ فَكانَت لِأَبناءِ القَبِيلَةِ الأَحرارِ وأَغنِيائِهِم خاصَّةً، ويَبدو أَنَّ هَذا النِّظامَ الطَّبَقِيَّ قَد دَفَعَ طائِفَةً مِنَ العَبِيدِ أَوِ الفُقَراءِ إِلَى الصَّعلَكَةِ.
وفِي حالاتٍ كَثِيرَةٍ كانوا يَنطَلِقُونَ مِن مَبَدأِ المُطالَبَةِ بِالعَدالَةِ الاجتِماعِيَّةِ، فَيَتَّخِذُونَ مِن نَهبِ الأَغنِياءِ وَسِيلَةً لِمُساعَدَةِ الفُقَراءِ، ومِن أَشهَرِ شُعَرائِهِم: تَأَبَّطَ شَرًّا، والشَّنْفَرَى، وعُروَةُ بنُ الوَردِ، وهَذا الأَخِيرُ كانَ سَيِّدًا اختارَ الصَّعلَكَةَ مَبَدأً لِنَبذِ التَّفاوُتِ الطَّبَقِيِّ الظّالِمِ. وقَد كانَ الصَّعالِيكُ يَتَناوَلُونَ الفَقرَ والجُوعَ فِي أَشعارِهِم، ولَدَيهِم رَغبَةٌ شَدِيدَةٌ فِي التَّمَرُّدِ والثَّورَةِ عَلَى الأَغنِياءِ الأَشِحّاءِ، ويَمتازُونَ بِالشَّجاعَةِ والصَّبرِ عِندَ البَأسِ وسُرعَةِ العَدُوِّ؛ حَتَّى سُمُّوا بِالعَدّائِينَ، قِيلَ «أَعدَى مِنَ الشَّنْفَرَى».
ومِن أَشهَرِ ما وَصَلنا مِن شِعرِ الصَّعالِيكِ «لامِيَّةُ العَرَبِ» لِلشَّنْفَرَى وهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ تُعَبِّرُ تَعبِيرًا صادِقًا عَن حَياةِ العَرَبِيِّ وأَخلاقِهِ فِي الجاهِلِيَّةِ، وتَرسمُ صُورَةً مُضِيئَةً لِلصَّعالِيكِ تَقُومُ عَلَى الفُرُوسِيَّةِ لا اللُّصُوصِيَّةِ، يَرصُدُ فِيها تَحَوُّلَهُ عَنِ الانتِماءِ لِقَبِيلَتِهِ واتِّخاذِهِ مِن حَيَواناتِ الصَّحراءِ قَومًا بَدِيلًا عَن قَومِهِ، وفِيها يَقُولُ:
أَمّا نِساءُ القَبِيلَةِ فَإِماءٌ أَو حَرائِرُ، أَمّا الأَمَةُ فَتَعمَلُ عَلَى الخِدمَةِ، وأَمّا الحُرَّةُ فَلَها مَكانَةٌ كَبِيرَةٌ فِي مُجتَمَعِها، تَجِيرُ المُستَجِيرِينَ، وتَختارُ زَوجَها فِي بَعضِ الحالاتِ، وكُنَّ يُرافِقنَ الرِّجالَ فِي المَعارِكِ لاستِنهاضِ هِمَمِهِم وتَطبِيبِهِم. وكانَ فِي العَصرِ الجاهِلِيِّ العَدِيدُ مِنَ العادات المُنْكَرة الَّتِي حَرَّمَها الإِسلامُ تُجاهَ المَرأَةِ مِن مِثلِ وأدِ البَناتِ وغَيرِها.
أَستَزِيدُ
المَوالِي: مَن يَرتبِطُ بِعَهدِ الوَلاءِ لِلقَبِيلَةِ، وهُم عُتقاءُ القَبِيلَةِ أَوِ الخُلَعاءُ الَّذِينَ لَجَأُوا إِلَى القَبِيلَةِ بَعدَ خَلعِهِم قَبائِلَهُم ونَفتِهِم عَنها لِكَثرَةِ جَرائِرِهِم.
- السَّيِّدُ العَمَلَّسُ: قَصدُ الذِّئبُ.
- الأَرقَطُ الزُّهلُولُ: قَصدُ النَّمِرُ، العُرفاءُ الجَيأَلُ: قَصدُ الضَّبُعُ.
1.2 نَشأَةُ الشِّعرِ الجاهِلِيِّ:
لَيسَ ثَمَّةَ ما يُفِيدُ بِداياتِ الشِّعرِ الجاهِلِيِّ وأَوَّلِيَّتِهِ وتَطوُّرِهِ، وإِنَّ ما وَصَلنا مِنهُ صُورَةٌ فَنِّيَّةٌ تامَّةٌ مُتَّسِقَةٌ مِن حَيثُ الوَزنُ والقافِيَةُ والمَوضُوعاتُ والأَسالِيبُ والصِّياغاتُ، وقَد أَلفَينا مِن ذَلِكَ مُطَوَّلاتٍ تَجرِي فِي نِظامٍ مُحَدَّدٍ مِنَ المَعانِي والمَوضُوعاتِ،
- فَتُفتَتَحُ بِالوُقُوفِ عَلَى الأَطلالِ، ووَصفِ المَكانِ وبُكاءِ الدِّيارِ والغَزَلِ،
- ويُعَرِّجُ الشُّعَراءُ عَلَى وَصفِ رِحلاتِهِم فِي الصَّحراءِ وإِبِلِهِم وخَيلِهِم، فَيُصَوِّرُونَها فِي سُرعَتِها وقُوَّةِ تَحَمُّلِها
- حَتَّى يَنتَهِيَ بِهِم المَطافُ إِلَى الغَرَضِ الرَّئِيسِ مِن مَدحٍ أَو هِجاءٍ أَو فَخرٍ أَو عِتابٍ أَو وَصفٍ أَو حَماسَةٍ أَو اعتِذارٍ.
إِنَّ هَذِهِ النَّماذِجَ الشِّعرِيَّةَ المُتَكامِلَةَ التّامَّةَ الَّتِي وَصَلَتنا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمَّةَ نَماذِجَ أَوَّلِيَّةً قَد سَبَقَتَها، ونَجِدُ امرَأَ القَيسِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ شاعِرًا قَد سَبَقَهُ فِي البَدءِ بِتِلكَ المُقَدِّمَةِ وهُوَ ابنُ حِذامٍ الَّذِي لا يُعرَفُ عَنهُ أَيُّ خَبَرٍ، يَقُولُ امرُؤُ القَيسِ: