شرح الدرس
إِلَى أَيِّ مَدًى أَتَقَبَّلُ الرَّأيَ القائِلَ بِأَنَّ المُعَلَّقاتِ سُمِّيَت بِهَذا الاسمِ لِأَنَّها عُلِّقَت بِأَستارِ الكَعبَةِ؟
أَتَأَمَّلُ
إِلَى أَيِّ مَدًى أَتَقَبَّلُ الرَّأيَ القائِلَ بِأَنَّ المُعَلَّقاتِ سُمِّيَت بِهَذا الاسمِ لِأَنَّها عُلِّقَت بِأَستارِ الكَعبَةِ؟
4.1 تَسمِيَتُها
تُعَدُّ المُعَلَّقاتُ مِن أَولِيّاتِ المُنتَخَباتِ الشِّعرِيَّةِ الَّتِي تَنتَسِبُ لِلعَصرِ الجاهِلِيِّ، وتُعَدُّ أَيضًا مِن أَروَعِ ما قِيلَ فِي الشِّعرِ العَرَبِيِّ القَدِيمِ وأَنفَسِهِ،
- وقَد سُمِّيَت بِالمُعَلَّقاتِ لِنَفاسَتِها؛ إِذ إِنَّ (العَلَقَ) فِي اللُّغَةِ هُوَ النَّفِيسُ مِن كُلِّ شَيءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ القَلبُ.
- وقِيلَ نِسبَةً إِلَى تَثبِيتِها بِأَستارِ الكَعبَةِ،
- وتَعَدَّدَت مُسَمَّياتُها مِنها: السَّبعُ الطِّوالُ، والمُذهَباتُ وغَيرُها، وهِيَ سَبعٌ أَو عَشرٌ حَسَبَ تَصنِيفاتِ الدّارِسِينَ.
4.2 مَطالِعُ المُعَلَّقاتِ وأَصحابُها
وقَد ذاعَ صِيتُ مَطالِعِ هَذِهِ المُعَلَّقاتِ عَبرَ العُصُورِ وهِيَ: (أَحفَظُ المَطالِعَ وأَصحابَها)
- مُعَلَّقَةُ امرِئِ القَيسِ، ومَطلَعُها:
- مُعَلَّقَةُ زُهَيرِ بنِ أَبِي سُلمَى، ومَطلَعُها:
- مُعَلَّقَةُ طَرَفَةَ بنِ العَبدِ، ومَطلَعُها:
- مُعَلَّقَةُ عَنْتَرَةَ بنِ شَدّادٍ العَبسِيِّ، ومَطلَعُها:
- مُعَلَّقَةُ عَمْرُو بنِ كُلثُوم، ومَطلَعُها:
- مُعَلَّقَةُ لَبِيدِ بنِ رَبِيعَةَ، ومَطلَعُها:
- معلّقة الحارث بن حلزة اليَشْكُريّ، ومطلعها::
- مُعَلَّقَةُ النّابِغَةِ الذُّبيانِيِّ، ومَطلَعُها:
- مُعَلَّقَةُ الأَعشَى (مَيمُونِ بنِ قَيسٍ)، ومَطلَعُها:
- مُعَلَّقَةُ عَبِيدِ بنِ الأَبرَصِ، ومَطلَعُها:
4.3 مُعلَّقة زهير بن أبي سلمى
أتأمّل: أُحاوِلُ أَن أَتَعَرَّفَ الفُرسانَ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ تَرمِزُ إِلَيهِمُ الصُّورَةُ بَعدَ رَبطِها بِمُعَلَّقَةِ زُهَيرِ.
أَتَعَرَّفُ جَوَّ النَّصِّ:
دامَت حَربُ داحِسٍ والغَبراءِ عُقُودًا مِنَ السِّنِينَ ذَهَبَ ضَحِيَّتَها خَلقٌ كَثِيرٌ مِن قَبِيلَتَي عَبسٍ وذُبيانَ، إِلَى أَن أَوقَفَها الحارِثُ بنُ عَوفٍ وهَرِمُ بنُ سِنانٍ بِأَن أَصلَحا بَينَ القَبِيلَتَينِ ودَفعا دِياتِ القَتْلَى.
يَقُولُ زُهَيرٌ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
التَّحلِيلُ:
إِنَّ هَذِهِ المُعَلَّقَةَ نابِضَةٌ بِصُورَةِ الحَياةِ عَلَى أَصعِدَتِها كُلِّها؛ إِذ تَكشِفُ لَنا جَوانِبَ مِنَ الحَياةِ الاجتِماعِيَّةِ والنَّفسِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ، ونَرَى فِيها فَنًّا يَقُومُ عَلَى تَعَدُّدِ المَوضُوعاتِ كَونُ القَصِيدَةِ تَفتَقِرُ لِما يُعرَفُ بِالوَحدَةِ المَوضُوعِيَّةِ، فَلا تَنصَبُّ رُؤيَةُ الشّاعِرِ عَلَى مَوضُوعٍ واحِدٍ بَل تَتَعَدَّدُ المَوضُوعاتُ:
- مِنَ افتِتاحٍ بِالغَزَلِ بِأَمِّ أَوفَى
- إِلَى انتِقالٍ لِمَدحِ السَّيِّدَينِ السّاعِيَينِ لِلإِصلاحِ: الحارِثِ بنِ عَوفٍ، وهَرِمِ بنِ سِنانٍ،
- واختِتامِها بِفَلسَفَةِ الشّاعِرِ ورُؤيَتِهِ لِلحَياةِ، خاتِمًا قَصِيدَتَهُ عَلَى حالٍ مِنَ التَّشاؤُمِ وهَيمَنَةِ المَلَلِ عَلَيهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ.
ويَلِفتُ فِي افتِتاحِيَّةِ القَصِيدَةِ أَو ما يُعرَفُ بِالمُقَدِّمَةِ الطَّلَلِيَّةِ ذَلِكَ الدَّمجُ بَينَ الأَطلالِ والمَرأَةِ (أَمِّ أَوفَى) زَوجَتِهِ لَكأَنَّ الشّاعِرَ يُؤَكِّدُ ثُنائِيَّةَ الحَياةِ والمَوتِ/ الخِصبِ والجَدبِ؛ فَإِن تَكُنِ الأَطلالُ تُعلِنُ المَوتَ والجَدبَ فَإِنَّ المَرأَةَ عَلَى النّاحِيَةِ النَّقِيضَةِ تَرمِزُ إِلَى الحَياةِ والأَمَلِ، ولا نَنسَى أَنَّ الدِّمْنَةَ وهِيَ ما تَبَقَّى مِن آثارِ الدِّيارِ - وإِن كَثُرَ التَّرحالُ وتَعَدَّدَتِ الأَماكِنُ: حَومانَةُ الدُّرّاجِ/ المُتَثَلَّمُ - تُشِيرُ إِلَى تَحَوُّلِ المَكانِ مِن دِيارٍ ومَساكِنَ آهِلَةٍ بِالنّاسِ إِلَى قَفْرٍ قَدِ اسوَدَّ، لكأنّما هي رِحلَةُ الإِنسانِ مِنَ الحَياةِ لِلمَوتِ والخِصبِ لِلجَدبِ، ولِذَلِكَ جاءَ النَّعتُ بِجُملَةِ «لَم تَكَلَّمِ» لِتَأكِيدِ الجَدبِ والمَوتِ.
ويَأتِي انتِقالُ التَّعبِيرِ الشِّعرِيِّ إِلَى مَدحِ السَّيِّدَينِ انتِقالًا سَلِسًا دُونَما فَجَواتٍ أَو إِحساسٍ مِنَ المُتَلَقِّي بِتَشَتُّتِ المَوضُوعاتِ وتَنافِرِها؛ إِذ مَهَّدَ الشّاعِرُ المَساحَةَ النَّصِّيَّةَ بَينَ المُقَدِّمَةِ الطَّلَلِيَّةِ والمَدِيحِ بِحُسنِ تَخَلُّصٍ حِينَ أَقسَمَ الشّاعِرُ بِالبَيتِ الحَرامِ (الكعبَةِ) أَنَّهُما لَنِعمَ السَّيِّدانِ. ويُؤَثِّرُ فِينا حَقًّا ذَلِكَ التَّصوِيرُ الخَفِيُّ لِحالِ الحَياةِ فِي رَخائِها وشِدَّتِها بِالحَبلِ السَّحِيلِ والمُبرَمِ؛ أَيِ الضَّعِيفِ والقَوِيِّ وهِيَ صُورَةٌ مُنتَزَعَةٌ مِن واقِعِ الحَياةِ.
وإِن يَكُنِ الشّاعِرُ قَد مَدَحَ السَّيِّدَينِ بِثَباتِهِما عَلَى الرَّأيِ فِي الأَحوالِ كُلِّها وأَنَّهُما لا يَتَقَلَّبانِ بِتَقَلُّبِ الزَّمَنِ يَكشِفُ سَبَبًا آخَرَ لِمَدحِهِ إِيّاهُما؛ فَقَد أَوقَفا الاقتِتالَ بَينَ قَبِيلَتَي عَبسٍ وذُبيانَ، مُستَعِينًا بِالفِعلِ الماضِي: أَدرَكتُما، وهو فعلٌ يشير إلى الإنقاذِ قُبَيْلَ اليأسِ والموت، في هيئة الماضي ليدلّ على أنّ إنهاءَ الحربِ تمّ بالفعل، ويكشفُ الشاعرُ عن الوجهِ القبيح للحرب عبر الفعلين الماضيين: تفانَوْا، ودَقُّوا، ومِنَ الجَلِيِّ أَنَّ الفِعلَ تَفانَوا دالٌّ عَلَى مَعنَيَينِ مُحتَمَلَينِ: تَدَرُّجِ الفَناءِ وتَصاعُدِهِ مِن جِهَةٍ، والمُشارَكَةِ بِحَيثُ أَفنى بَعضُهُم بَعضًا، وجاءَ الفِعلُ دَقُّوا المُنتَزَعُ مِنَ المَثَلِ الشَّهِيرِ «أَشأَمُ مِن مَنشِمٍ»، وهُوَ مِثلٌ أَكْنَى بِهِ الشّاعِرُ عَنِ الفَناءِ واحتمالِيَّةِ مَوتِهِم جَمِيعًا، فَكانَ فِعلُ التَّدارُكِ مِنَ السَّيِّدَينِ قَبلَ فَناءِ القَبِيلَتَينِ، وفِي هَذا مُبالَغَةٌ واقِعِيَّةٌ مَقبُولَةٌ فِي المَدِيحِ.
وطَفِقَ الشّاعِرُ بَعدَ ذَلِكَ يَخُوضُ رِحلَتَهُ الذّاتِيَّةَ الكاشِفَةَ لِفَلسَفَتِهِ فِي الحَياةِ، وهِيَ فَلسَفَةٌ حَكِيمَةٌ تَصدُرُ عَن رَجُلٍ خَبَرَ الحَياةَ والنّاسَ، ولَنا أَن نَقنَعَ بِأَنَّها حكمةٌ صادرةٌ عن عقليةٍ متّزنة لكنّها مع ذلك تَبَعٌ للجاهلية؛ إِذ تَبسُطُ لَنا حِكمًا عَمِيقَةً مَقبُولَةً فِي كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ،
- بِأَنَّ عَلَى الإِنسانِ أَن يَكُونَ جَرِيئًا ولا يَهابُ المَنايا لِأَنَّها مُدرِكَةٌ إِياه،
- وأَن يَكُونَ كَرِيمًا مُعطاءً لا يَبخَلُ عَلَى قَومِهِ خاصَّةً،
- وأَنَّ عَلَيهِ الدِّفاعَ عَن شَرَفِهِ ومَوطِنِهِ وإِلّا فَقَدَهُما،
فِي المُقابِلِ نَجِدُ حِكمَةً تُؤَطِّرُ بِالعَصَبِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ حِينَ يَدعُو المَرءَ إِلَى أَن يُبادِرَ المَرءُ بِالظُّلمِ وإِلّا فَإِنَّهُ سَيُظلَمُ.
وتُختَتَمُ القَصِيدَةُ بِما يُشبِهُ الانكِسارَ والهَبُوطَ فِي مَنحَى فَلسَفَةِ الحَياةِ عِندَ الشّاعِرِ، إِذ هُوَ قانِعٌ أَشَدَّ القَناعَةِ بِأَنَّ مَن يُعَمَّرُ ويَعِشُ طَوِيلًا يَسأَمُ الحَياةَ، ولِذا جاءَ إِصرارُهُ عَلَى أَنَّهُ سَئِمَ الحَياةَ ومَشاقَّها، وأَنَّهُ بِالرَّغمِ مِن أَنَّهُ عُمِّرَ ثَمانِينَ حَولًا لا يَعلَمُ المُستَقبَلَ، أَجَلٌ، هُوَ يَعلَمُ الحاضِرَ: اليَومَ، والماضِي: الأَمسَ، لَكِنَّهُ جاهِلٌ تَمامًا بِما فِي غَدٍ: المُستَقبَلِ، وكَم كانَ بَلِيغًا ذَلِكَ التَّصوِيرُ المُتَمَثِّلُ فِي جَعلِ جَهلِ المُستَقبَلِ عَمًى.
ومِنَ اللّطائِفِ أَنَّهُ وَظَّفَ الزَّمانَ الآتِيَ: اليَومَ، والأَمسَ، والغَدَ، استَعمَلَها كُلَّها لِلدَّلالَةِ عَلَى دَوائِرِ الزَّمَنِ الثَّلاثِ المُطلَقَةِ: الحاضِرِ، والماضِي، والمُستَقبَلِ.
وإِن نَكُن مُعجَبِينَ بِالتَّصوِيرِ المُنتَزَعِ مِنَ الواقِعِ فِي قَولِهِ: «رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ» نَتَيَقَّنُ أَنَّها رُؤيَةٌ جاهِلِيَّةٌ لَم تَرسُ عَلَى يَقِينِ الإِيمانِ والارتِضاءِ بِأَنَّ المَوتَ حَقٌّ؛ فَهُوَ يُصَوِّرُ المَوتَ كَأَنَّهُ ناقَةٌ عَشواءُ تَتَخَبَّطُ طَرِيقَها لَيلًا لِيُعلِنَ أَنَّ المَوتَ لا يُصِيبُ بِقَدَرٍ، فَمَتَى يَعرِضُ المَوتُ عَن إِنسانٍ كَزُهَيرٍ يُنسِهِ لِيَهرَمَ.