شرح الدرس
وأَبدَعُوا فِي تَصوِيرِ حِمارِ الوَحشِ فِي مَعرضِ رِحلَةِ الصَّيدِ. وقَد أَفرَدَ الشِّعرُ الجاهِلِيُّ حَيِّزًا لِوَصفِ الذِّئبِ، وأَبدَعُوا فِي رَبطِهِ بِالرِّحلَةِ والظُّلمَةِ والهَواجِسِ النَّفسِيَّ
أَتَأَمَّلُ
أَفترِضُ أَنَّ الشّاعِرَ الجاهِلِيَّ قَد عادَ لِدِيارِهِ بَعدَ غِيابٍ ووَجَدَها خَرابًا، ما المَشاعِرُ الَّتِي يُمكِنُ أَن تَنبَعِثَ فِي نَفسِهِ تِلكَ اللَّحظَةِ؟
3.1 مُقَدِّمَةُ القَصِيدَةِ
لا بُدَّ مِنَ الانتِباهِ إِلَى أَنَّ بِناءَ القَصِيدَةِ الجاهِلِيَّةِ لَم يَكُن يَجرِي فِي قالَبٍ بِنائِيٍّ واحِدٍ؛
- إِذ نَجِدُ قَصائِدَ تَقُومُ عَلَى قالَبٍ بِنائِيٍّ أَساسُهُ تَعَدُّدُ مَوضُوعاتِ القَصِيدَةِ، ومِنها قَصِيدَةُ المَدحِ.
- أَمّا القالَبُ الآخَرُ فَإِنَّهُ يَقُومُ عَلَى وَحدَةِ المَوضُوعِ، ولَعَلَّ قَصِيدَةَ الرِّثاءِ دالَّةٌ عَلَى هَذا البِناءِ.
أَمّا المُقَدِّماتُ فَبَعضُها طَلَلِيٌّ، ونَلمَحُ عِنايَةً بِالغَزَلِيَّةِ فِيها. ونَنَوِّهُ بِأَنَّ الشِّعرَ الجاهِلِيَّ لَم يَطرُد فِيهِ البَدءُ بِالمُقَدِّمَةِ الطَّلَلِيَّةِ، بَل إِنَّ مُعظَمَ قَصائِدِ الرِّثاءِ تَخلُو مِن هَذِهِ المُقَدِّماتِ؛ لِغَلَبَةِ الحُزنِ عَلَيهِ.
ويَغلِبُ أَن تَتَوَزَّعَ القَصِيدَةُ الجاهِلِيَّةُ ذاتُ المُقَدِّمَةِ الطَّلَلِيَّةِ عَلَى المَحاوِرِ النَّهجِيَّةِ الآتِيَةِ:
- المُقَدِّمَةُ الطَّلَلِيَّةُ.
- وَصفُ الرِّحلَةِ والصَّيدِ.
- غَرَضُ القَصِيدَةِ الرَّئِيسُ.
3.2 الخَصائِصُ الفَنِّيَّةُ ولُغَةُ الشِّعرِ الجاهِلِيِّ:
يَتَمَتَّعُ الشِّعرُ الجاهِلِيُّ بِخَصائِصَ مَعنَوِيَّةٍ ولَفظِيَّةٍ عَدِيدَةٍ، ومِنها:
- العِنايَةُ بِالأَلفاظِ والتَّراكِيبِ عِنايَةً كَبِيرَةً.
- وُضُوحُ المَعانِي، فَلَيسَ فِيها تَعقِيدٌ ولا غُمُوضٌ فِي زَمانِهِم.
- ائتِلافُ اللّفظِ مَعَ المَعنَى؛ فَتَكُونُ الأَلفاظُ الغَزَلِيَّةُ رَقِيقَةً سَلِسَةً تَكثُرُ فِيها الكَلِماتُ الدّالَّةُ عَلَى البُكاءِ والحُزنِ والوَجَدِ والشَّوقِ والحَنِينِ. فِي حِينِ نَجِدُ الأَلفاظَ الدّالَّةَ عَلَى الحَربِ والفَخرِ والمَدحِ جَزلَةً قَوِيَّةً تُلائِمُ قَدْرَ المَمدُوحِ وتَتَّسِقُ وطَبِيعَةَ الحَربِ القاسِيَةِ.
- أَنَّها وَثِيقَةٌ دَقِيقَةٌ لِحَياتِهِم وبِيئَتِهِم وحُرُوبِهِم، فَيُقَدِّمُ الشّاعِرُ المَعانِيَ مُنكشِفَةً كَأَنَّها أَشياءُ مَحسُوسَةٌ وحَقائِقُ تُسرَدُ.
- انتِزاعُ الصُّوَرِ مِن عالَمِهِ المادِّيِّ، فَيَستَقِي أَخيلَتَهُ مِنَ العالَمِ الحِسِّيِّ المُحِيطِ بِهِ، يَقُولُ الأَعشَى مُصَوِّرًا مِشيَةَ مَحبُوبَتِهِ كَأَنَّها مُرُورُ سَحابَةٍ مُرُورًا طَبِيعِيًّا دُونَما بُطءٍ أَو تَسَرُّعٍ:
وأَمّا المَمدُوحُ أَو المَرثِيُّ فَيُشبِهُهُ الشُّعَراءُ بِالبَحرِ والأَسَدِ والجَبَلِ. تقول الخَنْسَاءُ واصِفَةً أَخاها صَخرًا بِالجَبَلِ الَّذِي فِي أَعلاهُ نارٌ:
- تَعَدُّدُ المَوضُوعاتِ، فَثَمَّةَ قَصائِدُ - كَما سَبَقَ الحَدِيثُ - مُلتَزِمَةٌ بِالنِّظامِ البِنائِيِّ مُتَعَدِّدِ المَوضُوعاتِ كَالوُقُوفِ عَلَى الأَطلالِ، ثُمَّ الانتِقالِ إِلَى وَصفِ الرِّحلَةِ والنّاقَةِ والصَّحراءِ، حَتَّى يَصِلَ إِلَى الغَرَضِ الرَّئِيسِ.
- تَوظِيفُ الحِكمَةِ بِحَيثُ تُظهِرُ تَجرِبَةَ الشّاعِرِ وخِبرَتَهُ فِي الحَياةِ.
- اتّحاد النغم الموسيقيّ للقصيدة لِلقَصِيدَةِ وانسِجامُ القَوافِي وحَرَكاتِها.