شرح الدرس
لَيسَ ثَمَّةَ ما يُفِيدُ بِداياتِ الشِّعرِ الجاهِلِيِّ وأَوَّلِيَّتِهِ وتَطوُّرِهِ، وإِنَّ ما وَصَلنا مِنهُ صُورَةٌ فَنِّيَّةٌ تامَّةٌ مُتَّسِقَةٌ مِن حَيثُ الوَزنُ والقافِيَةُ والمَوضُوعاتُ والأَسالِ
الدَّرسُ الثّانِي: أَغراضُ الشِّعرِ الجاهِلِيِّ
استَطاعَ الجاهِلِيُّ أَن يَتَفاعَلَ مَعَ الواقِعِ والحَياةِ تَفاعُلًا أَدَبِيًّا. وقَد أَثَّرَتِ الحَياةُ الجاهِلِيَّةُ فِي الشّاعِرِ تَأثِيرًا حَياتِيًّا وأَدَبِيًّا ونَفسِيًّا، وهُوَ تَأثِيرٌ أَلهَبَ عَواطِفَ الشُّعَراءِ وأَيقَظَ مَشاعِرَهُم، فانطَلَقَ اللِّسانُ الشِّعرِيُّ يُعَبِّرُ عَن واقِعِ الحَياةِ: يَتَغَزَّلُ ويَرثِي ويَمدَحُ ويَصِفُ ويَهجُو، ولَم يَترُكِ الشّاعِرُ الجاهِلِيُّ أَيَّ غَرَضٍ شِعرِيٍّ إِلّا وقالَ فِيهِ شِعرًا.
ومِن أَبْرَزِ تِلكَ الأَغراضِ:
2.1 الغَزَلُ:
يُعَدُّ الغَزَلُ مِن أَهَمِّ أَغراضِ الشِّعرِ؛ فَقَد كانَ فَنًّا مَطرُوقًا مِنَ الشُّعَراءِ تَغَنَّوا بِهِ واتَّخَذُوهُ حِلِيَةً لِقَصائِدِهِم. وزِينَةً لِأَشعارِهِم، إِذ جَعَلُوهُ مُقَدِّمَةً لِبَعضِ قَصائِدِهِم.
- إِنَّ الافتِتاحِيَّةَ - بِجَمِيعِ أَنواعِها والغَزَلِيَّةِ خاصَّةً - لِلقَصِيدَةِ كَالمُقَدِّمَةِ المُوسِيقِيَّةِ: تُوقِظُ مَشاعِرَ الشّاعِرِ والمُتَلَقِّي مَعًا، وتَبعَثُ فِي كِلَيهِما النَّشاطَ الرُّوحِيَّ الفَنِّيَّ، فَيَنطَلِقُ الشّاعِرُ فِي فَنِّهِ، مُبدِعًا نَغَمًا شَجِيًّا، ويُقبِلُ السّامِعُونَ والمُتَلَقُّونَ مُنجَذِبِينَ بِعَواطِفِهِم وانفِعالاتِهِم.
- وقَد ذَهَبَ دارِسُونَ إِلَى بَيانِ البُعدِ النَّفسِيِّ لِلمُقَدِّمَةِ الغَزَلِيَّةِ؛ إِذ يَهدِفُ هَذا البُعدُ إِلَى التَّأثِيرِ فِي السّامِعِ واستِمالَةِ المَمدُوحِ.
وقَد سارَ بَعضُ الشُّعَراءِ الجاهِلِيِّينَ عَلَى تَقلِيدٍ فِي قَصائِدِهِم، هُوَ افتِتاحُها بِالحَدِيثِ عَنِ الأَطلالِ، والوُقُوفِ عَلَيها وبُكائِها؛ بسبب ما تثيره من الذكريات عندما يرون ما أصبحت عليه ديار المحبوبة بعد أن هُجرت، وقَد تَغَيَّرَتِ الدِّيارُ إِلَى رُسُومٍ وأَطلالٍ. يَقُولُ امرُؤُ القَيسِ:
2.2 الفَخرُ:
وكانَ الفَخرُ عِندَ الجاهِلِيِّينَ يَقُومُ عَلَى التَّغَنِّي بِالبُطُولَةِ والشَّهامَةِ، وكَثرَةِ الحُرُوبِ، وشَنِّ الغاراتِ، والنَّصرِ والغَلَبَةِ، والقُوَّةِ، والبَأسِ، والعَدَدِ، والخَيلِ، والإِبِلِ، والسِّلاحِ، وإِثارَةِ الفَزَعِ فِي نُفُوسِ الأَعداءِ. وكانَ فَخرُهُم يَدُورُ فِي فَلَكِ الأَخلاقِ الحَمِيدَةِ والفَضائِلِ والمَكارِمِ لِلقَبِيلَةِ والفَردِ، يَقُولُ الحادِرَةُ الذُّبيانِيُّ مُفتَخِرًا بِقَومِهِ، مُصَوِّرًا إِيّاهُم أَوفِياءَ أَعِفّاءَ لَيسَ غايَتُهُم الطَّمَعَ فِي الغَنائِمِ، حَرِيصِينَ عَلَى الأَصلِ والنَّسَبِ، شجعانًا تقودهم الحماسةُ في المعركة:
والفَخرُ لَهُ مَكانَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الشِّعرِ الجاهِلِيِّ، وهُوَ نَوعانِ: ذاتِيٌّ وقَبَلِيٌّ، وكانَ الفَخرُ القَبَلِيُّ مُقَدَّمًا عَلَى الفَخرِ الذّاتِيِّ، ومِن أَدَلِّ الأَمثِلَةِ لَهُ: مُعَلَّقَةُ عَمْرُو بنِ كُلثُوم ومُعَلَّقَةُ الحارِثِ بنِ حِلِّزَةَ، يَقُولُ عَمْرُو بنُ كُلثُوم وهُوَ يَفخَرُ بِانتِصارِ قَومِهِ عَلَى عَدُوِّهِم:
أَمّا مُعَلَّقَةُ طَرَفَةَ ونُصُوصُ عَنْتَرَةَ فَهِيَ تَمِيلُ إِلَى الفَخرِ الذّاتِيِّ، ومِثالُ ذَلِكَ افتِخارُ عَنْتَرَةَ العَبسِيِّ بِنَفسِهِ:
2.3 الرِّثاءُ:
وقَصِيدَةُ الرِّثاءِ تَقُومُ عَلَى ثَلاثَةِ مَحاوِرَ:
- النَّدبُ وهُوَ بُكاءُ الأَهلِ والأَقارِبِ والأَحِبَّةِ عِندَ مَوتِهِم،
- والتَّأبِينُ وهُوَ الثَّناءُ عَلَى المَيِّتِ وذِكرُ مَحاسِنِهِ وأَفْضالِهِ،
- والعَزاءُ وهُوَ القَناعَةُ بأنّ الموت حق وأنه نهاية كل حيّ وأنه مصيبنا جميعا.
وقَد كانوا يَرثُونَ أَنفُسَهُم إِذا ما أَحَسُّوا بِدُنُوِّ الأَجَلِ، وهُوَ ما يُعرَفُ بِرِثاءِ النَّفسِ كَقَصِيدَةِ بِشرِ بنِ أَبِي خازِمٍ الأَسَدِيِّ لَمّا أَدرَكَ أَنَّهُ مَيِّتٌ لا مَحالَةَ، فَخاطَبَ ابنَتَهُ عُمَيرَةَ لِتَبكِيَ حِينَ تَعلَمُ أَنَّ أَباها فِي قَبرٍ بَعِيدٍ وهِيَ الَّتِي تَنتَظِرُ عَودَتَهُ مُنتَصِرًا:
أَمّا رِثاءُ الآخَرِ فَقَد كانَ الشُّعَراءُ والشّاعِراتُ يَرثُونَ أَهلَهُم وأَحِبَّتَهُم وأَبطالَهُم، فَيَتَفَجَّعُونَ ويَذكُرُونَ مَحاسِنَ مَوتاهُم، ويُمَجِّدُونَ خِلالَهُم، ويَصِفُونَ مَناقِبَهُم الَّتِي فَقَدَتها القَبِيلَةُ فِيهِم كَالشَّجاعَةِ والعِفَّةِ والعَدلِ وغَيرِها، وكانَتِ النِّساءُ يُبالِغنَ فِي طُقُوسِ الرِّثاءِ، ومِنهُ رِثاءُ الخنساءُ أَخاها صَخْرًا:
أَستَزِيدُ
مِن جَمالِياتِ رِثاءِ النَّفسِ أَنَّها تَضُمُّ دَوائِرَ الزَّمَنِ الثَّلاثِ: الماضِي والحاضِرِ والمُستَقبَلِ، ويُعَدُّ الشّاعِرُ الجاهِلِيُّ أَوَّلَ مَنِ استَعانَ بِتَقنِيَةِ القَصِّ الاستِرجاعِيِّ لِلعَودَةِ لِلماضِي الجَمِيلِ، والقَصِّ الاستِقباقِيِّ لِتَخَيُّلِ أَحداثِ المُستَقبَلِ بَعدَ مَوتِهِ.
2.4 المَدِيحُ
- وكانَ الشُّعَراءُ كَثِيرًا ما يَمدَحُونَ القَبِيلَةَ الَّتِي يَجِدُونَ فِيها كَرَمَ الجِوارِ فَيَشِيدُونَ بِعِزَّتِها وإِبائِها وشَجاعَةِ أَبنائِها وإِكرامِ الضَّيفِ ورِعايَةِ حُقُوقِ الجِوارِ، وهِيَ قِيَمٌ مُهِمَّةٌ فِي ظِلِّ العَيشِ تَحتَ مَظَلَّةِ القَبِيلَةِ،
- ويَصِلُ الأَمرُ فِي أَواخِرِ العَصرِ الجاهِلِيِّ أَن يَتَّخِذَ الشُّعَراءُ المَدِيحَ وَسِيلَةً إِلَى الكَسبِ، كَما وَرَدَنا مِن أَخبارِ عَن وُفُودِ الشُّعَراءِ إِلَى مُلُوكِ المَناذِرَةِ والغَساسِنَةِ، يَمدَحُونَهُم ويَنالُونَ عَطاياهم، واشتَهَرَ بِذَلِكَ الأَعشَى والنّابِغَةُ وحَسّانُ بنُ ثابِتٍ.
ومِن ذَلِكَ مَدحُ الأَعشَى هَوذَةَ بنَ عَلِيٍّ سَيِّدِ بَنِي حَنِيفَةَ:
2.5 الوَصفُ
استَعانَ الشُّعَراءُ بِالوَصفِ لِيَرسُمُوا حَياتَهُم وما فِيها مِن مَقوِماتٍ وعَناصِرَ.
- ومِنَ الجَلِيِّ أَنَّ الشّاعِرَ الجاهِلِيَّ قَد أَحاطَ فِي وَصفِهِ جَمِيعَ ظَواهِرِ البِيئَةِ الَّتِي كانَ يَعِيشُ فِيها، فَوَصَفَ الطَّبِيعَةَ الحَيَّةَ والجامِدَةَ والسّاكِنَةَ والمُتَحَرِّكَةَ، وصَوَّرَ الصَّحراءَ وما فِيها مِن جَمادٍ وحَيَوانٍ وما يَعتَرِيها مِن رِياحٍ وسُحُبٍ وأَمطارٍ، وغَيرِ ذَلِكَ،
- بِحَيثُ يُمكِنُ القَولُ إِنَّ الشّاعِرَ الجاهِلِيَّ قَد صَوَّرَ البِيئَةَ العَرَبِيَّةَ تَصوِيرًا فَنِّيًّا استَوعَبَ فِيهِ جَمِيعَ ظَواهِرِ الحَياةِ فِي ذَلِكَ العَصرِ،
- ولَم يَقِفِ الشّاعِرُ الجاهِلِيُّ عِندَ المَظهَرِ العامِّ لِلحَياةِ، بَل رَسَمَ بِكَلِماتِهِ التَّفاصِيلَ الدَّقِيقَةَ لِلطَّبِيعَةِ ومَظاهِرِها وعَناصِرِها،
يَقُولُ زُهَيرُ بنُ أَبِي سُلمَى يَصِفُ الغَيثَ وقَد أَعادَ لِلأَرضِ خُضرَتَها:
وهُنا يَبْرُزُ سُؤالٌ عَن طَبِيعَةِ الوَصفِ أَوَصفًا تَسجِيلِيًّا كانَ أَم وَصفًا أَدَبِيًّا تَخَيُّلِيًّا؟
يُمكِنُنا القَولُ إِنَّ الوَصفَ الجاهِلِيَّ كانَ أَقرَبَ إِلَى الواقِعِيَّةِ التَّسجِيلِيَّةِ يَصِفُ ويُصَوِّرُ ويُسَجِّلُ الواقِعَ المَرئِيَّ، لَكِنَّهُ بِأَيِّ حالٍ لَم يَكُن وَصفًا يَبتَغِي مُطابَقَةَ الواقِعِ بِصُورَةٍ شِعرِيَّةٍ طِبقَ الأَصلِ، إِنَّهُ كانَ وَصفًا واقِعِيًّا أَدَبِيًّا يُضفِي الشّاعِرُ عَلَيهِ لَمَساتِهِ الشِّعرِيَّةَ الفَنِّيَّةَ ورُؤيَتَهُ الخاصَّةَ الَّتِي تُحاوِلُ تَقدِيمَ تَصوِيرٍ فَنِّيٍّ لِلواقِعِ بِقَلَمِ الشّاعِرِ ورُؤيَتِهِ الفَنِّيَّةِ.
وقَد أَكثَرَ الشّاعِرُ الجاهِلِيُّ مِن وَصفِ النّاقَةِ فِي مَسِيرَةِ الرِّحلَةِ وأَسقَطُوا عَلَيها مَشاعِرَهُم، ولا دَهشَةَ فِي ذَلِكَ، فَالنّاقَةُ أَقدَرُ عَلَى التَّحَمُّلِ وقَطعِ المَسافاتِ، ولَها خِبرَةٌ فِي مَعرِفَةِ النَّجاةِ مِنَ المَهالِكِ والضِّياعِ، وهِيَ مُحتاجَةٌ إِلَى أَن تَقطَعَ الرِّحلَةَ سَرِيعًا وفِي أَمانٍ لِأَنَّ لَها صِغارًا، ولا نَنسَى أَنَّها تَمُدُّ المُسافِرَ بِما يَحتاجُ إِلَيهِ إِنِ انقَطَعَ الماءُ وأَوشَكَ أَن يَمُوتَ. وقَد أَبدَعَ الشُّعَراءُ فِي وَصفِها، وأَسقَطُوا عَلَيها مَشاعِرَهُم؛ يَقُولُ طَرَفَةُ بنُ العَبدِ يَصِفُ ناقَتَهُ:
- حُوٌّ: مُخضَرّ، التَّلاعُ: مَجرَى الماءِ مِن مَنطِقَةٍ مُرتَفِعَةٍ إِلَى أَسفَل.
- النَّجا: المُرتَفِع مِنَ الأَرضِ، الهَواطِلُ: السَّحابُ الَّتِي تَحمِلُ مَطَرَ الخَير.
- احتِضارِهِ: حُضُورِهِ، الهَوجاءُ والمِرقالُ: النّاقَةُ السَّرِيعَةُ النَّشِيطَة.
- بَنائِقُ: مَفرَدُها بَنِيقَة، وهِيَ عُروَةُ القَمِيص.
وأَبدَعُوا فِي تَصوِيرِ حِمارِ الوَحشِ فِي مَعرضِ رِحلَةِ الصَّيدِ. وقَد أَفرَدَ الشِّعرُ الجاهِلِيُّ حَيِّزًا لِوَصفِ الذِّئبِ، وأَبدَعُوا فِي رَبطِهِ بِالرِّحلَةِ والظُّلمَةِ والهَواجِسِ النَّفسِيَّةِ لِلشّاعِرِ. وأَمّا الخَيلُ فَقَد تَرَكُوا لَها مِساحاتٍ واسِعَةً فِي الوَصفِ، مُتَتَبِّعِينَ حَرَكاتِ الخَيلِ كُلَّها، ولِامرِئِ القَيسِ فِي ذَلِكَ:
كَما وَصَفُوا الضِّباعَ والنُّسُورَ والغِربانَ والوُعُولَ والضَّبَّ والطَّيرَ والعُقابَ والقَطا وغَيرَها.