شرح الدرس
أتأمّل الصورة الآتية:
الأدب في العصرين: الأيّوبيّ والمملوكيّ
«رَأيتُ صَلاحَ الدّينِ أَشرَفَ مَنْ غَدا ... وَأَفضَلَ مَنْ أَضحى وَأَكرَمَ مَنْ أَمسى» (العِماد الأَصْفَهاني - شاعرٌ أَيّوبيّ)
نتاجات التعلّم:
- يتعرّف قضايا أدبيّةً في العصرين: الأيّوبيّ، والمملوكيّ.
- يبيّن أثر الشعر في مواجهة الغزو الصّليبيّ: دوافعه، وأبطاله، والشعراء.
- يستنتج خصائص شعر الجهاد.
- يتبيّن شعر المدائح النّبويّة.
- يتعرّف النّثر في العصرين: الأيّوبيّ، والمملوكيّ.
- يتعرّف أدب الرحلات (أسباب ازدهاره، فوائده).
- يتبيّن الموسوعات في العصر المملوكيّ.
أستعدّ:
أتأمّل الصورة الآتية:

أستنتج سبب تسمية الغزو الصليبي لبلاد الشام بهذا الاسم.
تمهيد:
إنّ من أهم مرامي الشعر أن يحرّك الحواس، ويحيط بالألم والفاجعة، ويكشف عن مواطن الفرح والحزن، ويوجّهَ الفردَ والمجتمعَ لما هو أفضل. ويُخطئ مَن يتوهّم أنّ الشّعر انفعالاتٌ وتأثراتٌ وجدانيّة تأتي لِتَزُول، وأنّ الشاعر حالُمٌ غيرُ واقعي. إنّ للشعر دورًا أسمى حين يغدو ضمير الأمة ومستنهضَ هِمَمِها وباعثَ الأمل فيها، ومُستشرفَ مستقبلها القريب والبعيد، والمواجهة محنها وشدائدها.
مرّت على الأمّة مِحَنٌ وشدائدُ وسقوطٌ وانحدارٌ إبّان الغزوين: الصليبيّ، والمغوليّ، فهبَّ الشاعر يحتملُ دورين أساسيين: دوره الإعلامي الفنّي في إيصال الحقائق ببلاغة وجمالية، ودوره القيادي في توحيد الأمّة والنهوض بها لمواجهة الغزو.
أتذكر
درستُ في الصف الحادي عشر قصيدة من الشعر الأيوبي.
من صاحبها؟ وما الغرض الذي قيلت فيه؟
1.1 الشعر وسقوط بيت المقدس:
سقط بيت المقدس في أيدي الصليبيين سنة 492هـ، وارتكب الصليبيون واحدةً من أبشع مجازر التاريخ حتى وصل دمُ سبعين ألفًا من الأبرياء أعناق خيول الغازين، فقال في ذلك أَبُو المُظَفَّر الأبيورديّ: (أحفظ) «مَزَجنا دِمَانَا بِالدُّمُوعِ السَّوَاجمِ ... فَلَم يَبقَ مِنَّا عُرضَةً لِلمَرَاجِمِ»
صحَتِ الأمّةُ من وقع الهزيمة، وأخذ الشعر يحملُ لواءه في مواجهة الغزو واستنهاض الهمم والتحريض على القتال والدّعوة لتوحيد الأمّة.
وإنْ نقفْ عند الدوافع التي ألهبت شرارةَ الشعر لمواجهة الغزو نجدْها::
- بيان الفواجع: كان لسقوط المدن وبيت المقدس خاصّةً بأيدي الصليبيين صدىً أليمٌ في نفوس الشعراء الذين لم يحتملوا وقع الفاجعة، وأخذوا يرثون المدن ويبكون ما حلّ بها، متكئين على تصوير أليم للفاجعة. يقول شهاب الدين بن المجاور في سقوط بيت المقدس بعد تسليمه للصليبيين:
«أَعَينَيَّ لا تَرقي مِن العَبَرَاتِ ... صلي بِالبُكا الآصَال بِالبُكُراتِ لَعَلَّ سُيولَ الدَّمعِ يُطفِئُ فَيضُها ... تَوَقَّدَ ما في القَلبِ مِن جَمَراتِ»
- العاطفة الدينية؛ ليس هناك من ينكر أنّ الغزو الصليبيّ له وجهه الدينيّ، فلم تكن الديار تسقطُ وتُدمّر ولم يكن الأحرارُ يُقتلون فحسب، بل كانت المقدّسات تُدنّس والكراهية تكشف وجهها المظلم أيضًا، فاستفزّ هذا عاطفة الشّعراء التي أخذت تدفعهم إلى تصوير هذا الجانب المأساويّ في شعرهم من جهة، وتهيّج العاطفة الدينية للقادة والجند والنّاس من جهة أخرى، وتؤكّد أنّ الحرب دينية من جهة ثالثة. يقول الضرير الحمصي:
«فَيَا يُوسُفَ الخَيرِ الَّذِي فِي يَمِينِهِ ... مِنَ الخَيرِ مَا قَد غَارَ فِينَا وَأَنجَدَا غَضِبْتَ لِدِينٍ أَنتَ حَقًّا صَلَاحُهُ ... فَأَرضَيْتَ لَمَّا أَن غَضِبْتَ- مُحَمَّدَا»
- رفض الاستكانة والذلة: إذ استاء الشّعراء من تخاذل بعض أبناء الأمّة واكتفائهم بأن يكونوا متفرجين فحسب، حامدين الله أنّ الغزو والقتل لم يطأهم، فطفق الشعراء يُعرّضون بموقف هؤلاء ويدعون إلى الكرامة ونفض الذّل والاستكانة. يقول الأبيوردي:
«وَكَيفَ تَنَامُ العَينُ مِلءَ جُفُونِهَا ... عَلَى هَفَوَاتٍ أَيقَظَت كُلَّ نَائِمِ تَسُومُهُمُ الرُّومُ الهَوَانَ، وَأَنتُمُ ... تَجُرُّونَ ذَيلَ الخَفْضِ فِعلَ المُسَالِمِ»
- المعارك والانتصارات: كان للانتصارات والمعارك البطولية في صدّ الغزو ومحاولة تحرير الأرض والإنسان وقعٌ عظيم في نفوس الشعراء. ومن غير شكّ فقد أدّى الشعراء دورهم، متجلّيًا في استنهاض الهمم، وهو دور يقوم فيه الشاعر بحثّ القادة والنّاس على حدّ سواء ليقوموا بواجبهم فيخرجوا للمعركة وقتال الأعداء، ومستثيرًا الحماسة قبيل المعركة وفي أثنائها، ومصوّرًا البطولات ومُتغنّيًا بالانتصارات، ومادحًا القائد والجند. ولعلّ فتح بيت المقدس كان أكبر دافع لتلك القصائد التي حُقّ لنا أن نقول: إنّها نهضت بأدب العصر ونفضت عنه سمة الانحطاط والانحدار، ومنها قصيدة العماد الأصفهاني التي يقول فيها مادحًا صلاح الدين الأيوبي:
(أحفظ) «فَلَا يَستَحِقُّ القُدسَ غَيرُكَ فِي الوَرَى ... فَأَنتَ الَّذِي مِن دُونِهِم فَتحَ القُدسا»
وأنشد أبو علي الحسن الجويني: «جُنُودُ السَّمَاءِ لِهَذَا المَلِكِ أَعوَانُ ... مَن شَكَّ فِيهِم فَهَذَا الفَتحُ بُرهَانُ»
- القائد البطل: ليس ينفصل دور البطولات في كونها دافعًا إيجابيًا لنهوض الشعر عن دور القادة الملهمين الذين وحدوا الأمّة، وحملوا راية الجهاد، وقدّموا أرواحهم في خدمة التحرير والنصر؛ إذ انفتحت صفحةٌ جديدةٌ لجهاد الصليبيين بظهور عماد الدين زنكي وبدء الدولة الزنكية في الموصل وحلب، وأخذ عماد الدين يخوض المعارك تلو المعارك ويحقق الانتصارات، واستمرّت جهوده في توحيد قوى المسلمين، فملك حماة وحمص وبعلبك، ثم جاء نور الدين محمود زنكي، الذي كان مولعًا بالجهاد والعدل، وقد انتزع هذا البطل نيفًا وخمسين مدينةً من أيدي الصليبيين قبل موته كما قال الإمام ابن الجوزي. وكان لصلاح الدين الأيوبي بعد ذلك عظيم الدور في قتال الصليبيين وفتح بيت المقدس.
إنّ رؤية الشاعر للبطل الحَقِّ المظفّر لأكبر دافع لقول الشعر المصاحب للبطولة. ولنا أن نقول هنا إنّ الأبطال والقادة هم من صنعوا النصر ورفعوا من قدر الشعر ببطولاتهم وانتصاراتهم، فكان البطلُ مَن أوجد القصيدة وليست القصيدةُ مَن أوجدت البطل، يقول العماد الأصفهاني يمدح نور الدين زنكي: (أحفظ البيت الأول)
«عُقِدَت بِنَصرِكَ رَايَةُ الإِيمَانِ ... وَبَدَت لِعَصرِكَ آيَةُ الإِحسَانِ كَم وَقعَةٍ لَكَ بِالفِرِنجِ حَدِيثُهَا ... قَد سَارَ فِي الآفَاقِ وَالبُلدَانِ»
أستزيد
ذَهَبَ النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِم هَارِبِينَ مِنَ الشَّامِ بعد سقوط بيت المقدس إِلَى العِرَاقِ مُستَغِيثِينَ عَلَى الفِرنجِ إِلَى الخَلِيفَةِ وَالسُّلطَانِ، مِنهُم القَاضِي أَبُو سَعِيدٍ الهَرَوِيُّ. فَلَمَّا سَمَعَ النَّاسُ بِبَغْدَادَ هَذَا الأَمرَ الفَظِيعَ هَالَهُم وَتَبَاكَوْا. وَقَد نَظَمَ أَبُو سَعِيدٍ الهَرَوِيُّ كَلَامًا قُرِئَ فِي الدِّيوَانِ وَعَلَى المَنَابِرِ، فَارتَفَعَ بُكَاءُ النَّاسِ، وَندبَ الخَلِيفَةُ الفُقَهاءَ إِلَى الخُرُوجِ إِلَى البِلَادِ لِيُحَرِّضُوا المُلُوكَ عَلَى الجِهَادِ. فَخَرَجَ ابنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِن أَعيَانِ الفُقَهَاءِ، فَسَارُوا فِي النَّاسِ فَلَم يُفِد ذَلِكَ شَيئًا، وَلَم يُحَرِّك سَاكِنًا فِيهِم.
أفكر:
1.2 شعراء الجهاد:
إنّ شعر الجهاد كانت له الواجهةُ والصّدارة، وهو الضوء الذي أنار ذلك العصر، وحملَ الدور القيادي الملهم للشعراء. ومن أبرز هؤلاء الشعراء:
- ابنُ مُنير الطّرابلسي، أحمد بن منير، مدح السلطان الملك العادل (محمود بن زنكي) بأبلغ قصائده، يقول:
«حَظِيتُ مِنَ المَعَالِي بِالمَعَانِي ... وَلَاذَ النَّاسُ بَعدَكَ بِالأَسَامِي»
- ابن السَّاعَاتي، أبو الحسن، بهاء الدين بن الساعاتي، يقول:
«جَلَت عَزمَاتُكَ الفَتحَ المُبِينَا ... فَقَد قَرَّت عُيُونُ المُؤمِنِينَا»
- الرشيد النابلسي: وقد أبدع في قصيدته في فتح بيت المقدس، ومطلعها:
«هَذَا الَّذِي كَانَتِ الآمَالُ تَنتَظِرُ ... فَليُوفِ لِلَّهِ أَقوَامٌ بِمَا نَذَرُوا»
1.3 الخصائص الفنية لشعر الجهاد:
إنّ شعر الجهاد يمثّل الجانب الشعري المشرق لهذا العصر.
ولنتبين سمات شعر الجهاد نقرأ أبيات ابن القيسراني في فتح الرّها:
«هُوَ السَّيفُ لَا يُغنِيكَ إِلَّا جِلَادُهُ ... وَهَل طَوَّقَ الأَمْلَاكَ إِلَّا نِجَادُهُ وَعَن ثَغْرِ هَذَا النَّصْرِ فَلتَأخُذِ الظُّبَا ... سَنَاهَا وَإِن فَاتَ العُيُونَ اتِّقَادُهُ سَمَت قُبَّةُ الإِسلَامِ فَخرًا بِطُولِهِ ... وَلَم يَكُ يَسمُو الدِّينُ لَولَا عِمَادُهُ لِيَهِن بَنِي الإِيمَانِ أَمنٌ تَرَفَّعَت ... رَوَاسِيهِ عِزًّا وَاطمَأَنَّ مِهَادُهُ وَفَتحٌ حَدِيثٌ فِي السَّمَاعِ حَدِيثُهُ ... شَهِيٌّ إِلَى يَومِ المَعَادِ مُعَادُهُ»
(أحفظ) «أَرَاحَ قُلُوبًا طَرْنَ مِن وُكُنَاتِهَا ... عَلَيهَا فَوَافَى كُلَّ صَدرٍ فُؤَادُهُ فَأَوسَعَهَا حَرَّ القِرَاعِ مُؤَيَّدٌ ... بَصِيرٌ بِتَمرِينِ الأَلَدِّ لِدَادُهُ فَيَا ظَفَرًا عَمَّ البِلَادَ صَلَاحُهُ ... بِمَن كَانَ قَد عَمَّ البِلَادَ فَسَادُهُ»
- الصدق الفنّي والموضوعي: يتجلّى لنا الصدق في هذه الأبيات؛ فكان الشاعر صادقًا صدقًا موضوعيّا في نقل الأحداث التاريخيّة التي تؤكّد أنّ عماد الدين زنكي قد استعاد مملكة الرّها، وكان قبل ذلك صادقًا صدقًا فنيّا وشعوريّا؛ إذ عبّر عن فرحته باستعادة الرّها وإعجابه بالقائد الذي مثّل رمز الجهاد ومقاومة المحتل واستعادة الأرض.
- غلبة المحسّنات والصّنعة البديعيّة: ثمة اهتمام واضح من الشاعر بالمحسّنات البديعيّة والتزيين اللفظي، إلى درجة أنّ الاهتمام باللفظ طغى على الاهتمام بالمعنى مع أنّ الموقف موقف فتح عظيم؛ إذ إن المحسنات البديعية في شعر الجهاد –كما يرى ذلك الشاعر– تجعل التعبير أجمل وأكثر تأثيرًا في نفوس الناس وأبلغ في التعبير عن الفرح بالنصر. ومن تلك المحسّنات الطّباق في: صلاحه وفساده، والجناس في: حديث / حديثه، المعاد / معاده.
- العاطفة الدّينيّة: لا شكّ في أنّ النزعة الدينية قد تجلّت واضحةً في هذا النص، فتكثرُ الألفاظ الدينية من مثل: الإسلام/الدين/يوم المعاد، ومن جهة أخرى نجد ذلك الصراع الديني بين أصحاب الحق والعدو المحتل، فأصحاب الحق هم بنو الإيمان، والنصر يقود إلى صلاح البلاد بعد أن كان الاحتلال قد أفسدها.
- فنيّة التصوير والتخييل؛ إذ نجد النص قد احتفى بصور فنيّة جميلة، لعلّ من أجملها تصوير القلب بالطيور التي غادرت وُكناتها في أثناء الاحتلال لتعود عند الفتح.