شرح الدرس
«مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الكَونَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ ... وَالفَرِيقَيْنِ مِن عُرْبٍ وَمِن عَجَمِ
أستعدّ:
يقول البوصيريّ: (أحفظ البيتين) «مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الكَونَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ ... وَالفَرِيقَيْنِ مِن عُرْبٍ وَمِن عَجَمِ هُوَ الحَبِيبُ الَّذِي تُرجَى شَفَاعَتُهُ ... لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الأَهْوَالِ مُقتَحَمِ» أعلمُ أنّ هذين البيتين قيلا في غرضٍ هو .....................
تمهيد:
توجه الشّعراء بالمدح إلى الرسول الكريم ﷺ. فظهر ما عُرف بالمديح النبوي، وافترق عن غيره من المدح لأنّه مرتبط بالنبي المصطفى ﷺ.
نتساءل: لماذا لم يُسَمَّ هذا الشعر بالرثاء النبوي وسُمّي مديحًا مع أنّه قيل في رسول الله ﷺ بعد انتقاله للرفيق الأعلى؟
صحيح أنّ الشعر الذي يُقال في ميت يُسمى رثاء، لكنّه في رسول الله ﷺ مديح؛ ذلك أنّ الرسالة النبويّة ما تزال حيّةً في النفوس، وشريعته ما زالت باقية، والنّاس ما يزالون يقتدون بهديه وسنّته، نضيف إلى هذا أنّ شعر الرثاء غلب عليه التفجّع والأسى والبكاء، وإن تطاول به الزمن، أما الشعر الذي قيل في الرسول المصطفى ﷺ فقد كان ثناءً مَحضا وإشادةً خالصة، وذكرًا للفضائل، فهو بهذا أقرب إلى المديح.
1.2 مسيرة المديح النبوي:
اقترنت المدائح النبويّة بالعصور المتأخرة والعصر المملوكيّ خاصّة، لكنّ هذا لا يعني أنّ المدائح النبويّة لم تظهر قبل ذلك، إذ ظهرت في العصور كلّها، إذ يُقال إنّ الأعشى كان أوّلَ من مدح الرسول المصطفى ﷺ، ثم جاء الشّعراء الإسلاميون كحسان بن ثابت وكعب بن زهير ليمدحوا الرسول المصطفى ﷺ.
وأخذت قصائد المديح النبويّ تنضجُ في بنيتها وتكاملها الفنّي وترسمُ سماتها الأسلوبيّة في العصرين: الأيّوبيّ، والمملوكيّ اللّذين أضحى فيهما المديح النبويّ فنًّا أدبيّا مستقلًا بذاته، يشارك فيه معظم الشّعراء، ومنها قول ابن الساعاتي:
(أحفظ البيت الأول) «هُوَ البَشِيرُ النَّذِيرُ العَدْلُ شَاهِدُهُ ... وَلِلشَّهَادَةِ تَجرِيحٌ وَتَعدِيلُ لَولَاهُ لَم تَكُ شَمْسٌ لَا وَلَا قَمَرٌ ... وَلَا الفُرَاتُ وَجَارَاهَا وَلَا النِّيلُ»
أستزيد
جاء كعب بن زهير الرسول المصطفى ﷺ معتذرًا ومادحًا، وبعد أن انتهى من قصيدته عفا عنه النبي الكريم وأعطاه بُردته فسُمّيت قصيدةُ كعب بـ«البُرْدة»»، وصار كثيرٌ من الشعراء المتأخرين يمدحون الرسول المصطفى ﷺ يسمون قصائدهم بالبُردة، ومنها بردة البوصيري، وجاء أحمد شوقي وكتب قصيدته «نَهْج البُردة».
2.2 أسباب ازدهار المديح النبويّ في العصرين: الأيّوبيّ، والمملوكيّ:
اتّسعت المدائح النبويّة في العصور المتأخرة والعصر المملوكيّ خاصّةً اتساعًا كبيرًا، وانتشرت بين الأدباء والعلماء، يتنافسون في نظمها، ويذهبون بها كلّ مَذهب، ويسارعون إلى إنشادها في المجالس الخاصّة والمحافل العامّة، وفي المناسبات الدينيّة العديدة التي كثرت في هذا العصر.
وإن نتتبع الدوافع والأسباب التي أدّت إلى ازدهار المديح النبويّ في العصور المتأخرة والعصر المملوكيّ خاصّةً نجدها:
- الحبّ الصادق للرسول المصطفى ﷺ في نفوس الناس والشعراء، والاقتداء بسنّته، والتعلق بسيرته العطرة، وطلب شفاعته.
قال عبد الرحيم البرعي اليماني: (أحفظ البيت الأول) «إِذَا مَدَحَ المُدَّاحُ أَرْبَابَ عَصْرِهِم ... مَدَحْتُ الَّذِي مِن نُورِهِ الكَوْنُ يَبْهَجُ وَإِنْ ذَكَرُوا لَيْلَى وَلُبْنَى فَإِنَّنِي ... بِذِكْرِ الحَبِيبِ الطَّيِّبِ الذِّكْرِ أَلْهَجُ»
- الاعتبارات الشخصيّة من مرض ورؤيا: إذ التجأ بعضُ الشّعراء للمديح النبويّ لظروفٍ خاصّة؛ فكان بعضهم مُصابًا بأمراض مزمنة، وبعضهم يرى الرسول المصطفى ﷺ في منامه، ومنهم من وجد نفسه قد شفي بعد هذه الرؤيا، فكان هذا مُحفّزًا الشّعراء لأن يكتبوا قصائد للمديح النبوي.
- الحوادث العظام الجسيمة:: إذ شهدت العصور المتأخرة أحداثًا جسامًا ومنها الغزو الصليبيّ وسقوط كثير من الممالك بأيديهم، والغزو المغوليّ وما أحدثه من قتل وتدمير وخراب في جسد الحضارة الإسلامية آنذاك، فكان الالتجاء إلى الله تعالى وطلب النجدة والنصرة، وكان المديح النبوي وسيلتهم إلى ذلك.
- إحياء المناسبات الدينية: فقد كانت الاحتفالات بالمولد النبوي عاملا من عوامل ازدهار المدائح، ومن جهة أخرى كان الحجّ وزيارة الكعبة والمدينة المنوّرة من بواعث المديح النبوي في نفوس الشّعراء.
- اتساع منهج التّصوّف الذي وجد أتباعه في الرسول المصطفى ﷺ رمزًا يُقتدى به.