شرح الدرس
تُعدّ المرحلة الإحيائيّة الحلقة الأولى من حلقات الشّعر الحديث، ويُطلق عليها (مدرسة) لأنّها مجموعة من القوانين والقواعد اجتماعيّ ووطنيّ يضمّ نخبةً كبيرةً من الشعراء، كما يُطلق عليها «الكلاسيكيّة»…
تمهيد:
تُعدّ المرحلة الإحيائيّة الحلقة الأولى من حلقات الشّعر الحديث، ويُطلق عليها (مدرسة) لأنّها مجموعةٌ من القوانين والقواعدِ ذات سياقٍ اجتماعيٍّ ووطنيّ يضمُّ نُخبةً كبيرةً من الشعراء، كما يُطلق عليها «الكلاسيكيّة» و«الاتّباعيّة» و«المحاكاة والتقليد». وثمّةَ تَشابُهٌ بينَ موقفِ الإحيائيّين العرب منَ الشّعر والإحيائيّين الكلاسيكيّين الأوروبيّين في القرن الثامن عشر الميلاديّ؛ إذ كان موقفهم تعليميّا ويفترضون وجود معايير وقوانين أزليّة للشعر تنطبق على المراحل كلّها، وقد تحققت هذه المعايير في العصر الذهبي من نتاج القدماء، ومن هنا بدا لهم أنّ واجب الشاعر الحديث هو ألا يقلّد تقليدًا آليّا بل خلّاقًا.
كتب الشّعراء الكلاسيكيون على غرار شعر طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى والمتنبي والبحتري وأبي نواس وغيرهم من رموز الشّعر العربي الأصيل، ونجحوا في إعادة الدماء لشرايين الشّعر العربي. ومن أهمّ وظائف الشّعر الإحيائيّ أنّه يهدف إلى إعادة الحيويّة والقوة للشعر العربي، وإعادة المتلقّي العربي إلى حقل الشعر بعد أن نفر منه، فضلًا عن إعادة الثّقة إلى الشخصيّة العربيّة المهددةِ بالتلاشي أو الذوبانِ، وإلى التمسّك بالهويّة.
أستزيد
على الرغم من امتدادها بين 1850-1914 إلّا أنّ هذا التاريخ لا يعدّ نهايةً قطعيّة لهذه المدرسة الاتباعيّة، ولا يعني اختفاء ممثليها أو ذوبانها فيما بعدها، وإنّما يعني أنّ المدرسة بدأت تفقد هيمنتها بعدَ أنْ أدّت أغراضَها وقامت بوظائفِها الأدبيّة واللغويّة والفنيّة والحضاريّة والتاريخيّة.
2.1 أعلام المدرسة الإحيائيّة:
- من أبرز أعلام الإحيائيّة: محمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، من مصر، وإبراهيم اليازجي من لبنان، و«عَرار» مصطفى وهبي التل من الأردن، ومعروف الرصافي، ومحمد مهدي الجواهري من العراق، وعمر أبو ريشة من سوريا، وعبد الله البردّوني من اليمن.
- وعلى الرغم من اتّفاق شعراء هذه المرحلة في الاتجاه العام إلّا أنّ هناك فروقًا بينهم.
أحمد شوقي (1869-1932)
يُعدّ ظهور شوقي من أهم الأحداث الشعريّة في أواخر القرن التاسع عشر، وهو شاعر الجيل ولقّب بأمير الشعراء.
- ولد في القاهرة عام 1869م، تلقّى علومه الأولى في الكُتّاب، ودرس الحقوق في فرنسا.
- ويُعدّ شاعر البلاط لدى الخديوية (حكام مصر)، ونُفي إلى إسبانيا نتيجة التحوّلات السياسيّة، وتعزّزت مواقفه الوطنيّة بعد عودته من المنفى.
تنوّعت مصادر ثقافته، وأبرزها:
- تأثّره بالقرآن الكريم، وإقباله على قراءة الأدب العربي لفحول الشعر العربي خاصّة، الذي استقى منه استشهاداته، فضلًا عن امتلاكه ثروة لغويّة واسعة.
- وكان لمعرفته باللغتين: التركيّة والفرنسيّة أثرٌ في اكتسابه ملامح ثقافيّة أجنبيّة.
- وكتب إلى جانب الشّعر المسرحيّاتِ الشعريّةَ، ويُعدُّ رائدَ المسرح العربيّ الشعريّ.
على يده ترسّخت المدرسة الكلاسيكيّة، واستطاع أن يُعيد إلى الشّعر العربي ما كان يحتاج إليه من جزالته الأصيلة وامتلاكه ناصية التعبير الشعري المتدفّق بالحياة. نوّع في الموضوعات والأغراض الشعريّة؛ فمن المديح والرّثاء والغزل والوصف والحكمة والشعر السياسي والوطني والأخلاقي إلى شعر المعارضات.
وفي عام 1927 لُقّب بأمير الشعراء؛ لما تمتّع به من براعة في البناء الشعري، وموهبة فذّة، وملكة فائقة مكّنته من صياغة الشّعر في جميع الظروف وتحت ألوان الضغوط السياسيّة الكثيرة.
وهو صاحب أجمل ما قيل في المعلم، يقول أحمد شوقي:
«قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبجِيلا ... كَادَ المُعَلِّمُ أَن يَكُونَ رَسُولَا
(أحفظ البيت الثاني) أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذِي ... يَبنِي وَيُنشِئُ أَنفُسًا وَعُقُولَا»
2.2 خصائص الاتجاه الإحيائي:
من أهم خصائص القصيدة الشعريّة الإحيائيّة:
- التقليد والمحاكاة للقديم والشعر العباسي خاصّة مع مساحة للتجديد.
- العودة إلى الماضي والتاريخ، والاتكاء على المخزون التراثي.
- وضوح الأفكار والمضامين.
- انتقاء المفردة والتراكيب الشعريّة بعناية، وفخامة العبارة.
- التصوير الواقعي.
تحليل قصيدة تأوّب طيف للبارودي
من أمثلة الشعر الكلاسيكي قصيدة (تأوّب طيف) للشاعر محمود سامي البارودي التي نظمها بعد وصوله منفاه، يقول محمود سامي البارودي:
«تَأَوَّبَ طَيفٌ مِن سَمِيرَةَ زَائِرٌ ... وَمَا الطَّيفُ إِلَّا مَا تُرِيهِ الخَوَاطِرُ
طَوَى سُدْفَةَ الظَّلْمَاءِ وَاللَّيْلُ ضَارِبٌ ... بِأَرْوَاقِهِ وَالنَّجْمُ بِالأُفْقِ حَائِرُ
أَلَمَّ وَلَم يَلبَث وَسَارَ وَلَيْتَهُ ... أَقَامَ وَلَو طَالَت عَلَيَّ الدَّيَاجِرُ
(أحفظ) فَإِنْ تَكُنِ الأَيّامُ فَرَّقْنَ بَيْنَنَا ... فَكُلُّ امرِئٍ يَومًا إِلَى اللَّهِ صَائِرُ
هِيَ الدَّارُ مَا الأَنفَاسُ إِلَّا نَهَائِبٌ ... لَدَيهَا وَمَا الأَجْسَامُ إِلَّا عَقَائِرُ
إِذَا أَحسَنَت يَومًا أَسَاءَت ضُحَى غَدٍ ... فَإِحْسَانُهَا سَيْفٌ عَلَى النَّاسِ جَائِرُ»
المناخ الذي تولّده القصيدة مناخٌ تقليديّ، ومن حيث المعاني والتراكيب والصور والإيقاع، يحسّ القارئ وكأنّه يقرأ شعرًا قديمًا من شعر الفحول.
- وقد اتسمت القصيدة بتعدّد الموضوعات (شوق وشكوى وحكمة)، وهذه سمةٌ يتسم بها شعر القدامى.
- أمّا الملامح الفنيّة العامّة فتتسم بالرصانة والقوّة والتماسك والألفاظ الفصيحة، وقد وظّفت القصيدة ألفاظًا قديمة مهجورة (تأوّب، سُدفة، الدياجر).
- أمّا الصور فشبيهة بالصور القديمة ومستمدّة من البيئة الصحراوية.
- أمّا ما يتعلق بالإيقاع فقد التزمت القصيدة بحرًا عروضيّا واحدًا هو الطويل ولم تخرج عليه، والتزمت كذلك رويّا واحدًا هو الراء المضمومة، فلا نجد تنويعًا في الروي.