شرح الدرس
وداعاً لِمَا سَوْفَ يَأْتِي بِهِ الوَقْتُ بَعْدَ قَلِيلٍ .. وَدَاعَا.
تمهيد:
أشرنا سابقًا إلى أنّ تاريخ ظهور فنون الأدب وتطوّرها في العصر الحديث يعود إلى ما يعرف بعصر النهضة، إذ أسهمت ملامح النهضة الثقافية والمدنية، كالصحافة والتعليم والطباعة والبعثات التعليمية وغيرها، في ظهور رموز الريادة في الكتابة النثرية الحديثة، وقد عرفوا بجيل اليقظة، ومن أبرزهم: رفاعة الطهطاوي، وبُطرس البُستاني، ومحمد عَبْدُه. يُحفظُ للروّاد أنهم مهدوا لتخليص النثر من أسلوب السّجع وأطلقوا العبارات حرّةً مُرسَلة. وقد سار النثر في مسارين:
- التقليد نتيجة التأثر بالتراث ومحاكاته، والدعوة إلى إحياء المنقول مثل كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة والمقامات، ويعدّ كتاب «حديث عيسى بن هشام» للمويلحي نموذجاً نثرياً، مبنيّاً على نمط المقامات.
- التأثر بالغرب: سار الكُتّاب على منوال القصّ الغربيّ، وتلَتْ هذه التجربة ترجمات ناضجة ودقيقة للأدب الغربي على يد طه حسين وغيره.
4.1 تطوّر فنّ المقالة
يعدّ النّصفُ الأوّل من القرن التاسع عشر ثورةً حقيقيةً في عالم الكتابة بفضل الصحافة. ونشطت حركةُ إصدار الصحف والمجلات كالأهرام والهلال.
وكان للصحافة الفضلُ في إعادة الكتابة الأدبية إلى أصالتها، فخلّصتها من التّصنّع والزّخرف وسَطْوة المحسّنات البديعية، ونَقَلَتْها إلى الوضوح ودقّة التعبير، وطوّعتها لتستوعب التعبير السلس عن خَطَرات التفكير ومشاعر الوجدان بعيدًا عن قيود السّجع ورتابة التعبير.
وبفضل الصحافة استطاعت الصحف أن تصل إلى طبقات القُرّاء كافة.
- ويعود ازدهارُ الصّحافة إلى نمو التيّارات والحركات السياسيّة والإصلاحيّة وزيادةِ الوعي القومي من ناحية، والوعي الديني من ناحية أخرى.
- فأصبحت الصحفُ منابر لتلك الحركات التي تمثّل الدعوات والمواقف المتنوعة. وكان القصدُ التأثير في الرأي العام والتعبير عن قضاياه.
وهنا كان لا بدّ من ظهور فنّ كتابي قادر بخصائصه أن يستوعب الطروحات اليومية والمُستجدّات الفكرية، فكانت المقالة هي القالب الأنسب للتعبير عن آراء هذه المذاهب ولاستيعاب مناظراتهم السياسية والفكرية استيعابًا مرنًا وسلسًا وسريعًا ودقيقًا.
أنواع المقالة:
انقسمت المقالة في بداية نشأتها ثلاثة أقسام:
- المقالة الصحفية: وتتناول المشكلات القائمة والقضايا العارضة، ولها عدّة أنواع: المقالة الافتتاحية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.
- المقالة الأدبية: وتختصّ بقضايا الأدب والفنّ والتاريخ والاجتماع، مُفعمةً بروح العاطفة والخيال وتوظيف الجمل التصويرية، ولا يُشترط فيها الالتزام بهيكلية محدّدة، وإن كان يفضّل ذلك.
- المقالة الموضوعية: تعالج القضايا والموضوعات المتنوعة، إلّا أنّها تتسم بهيكلٍ بنائيّ صارم، وتلتزم بالمُقدّمة والعرض والخاتمة، وتعرض القضايا بما تحمله من وجهاتِ نَظَرٍ بحيادية دون تحيّز أو تبنٍّ لوجهة نظر دون أخرى، وتتدرج أفكارها وتتسلسل لتصل إلى النتائج وصولًا منطقيًا، وتتسم بلغةٍ واضحة ودقيقة معتمدة الكثير من المعلومات التي تغني الموضوع، بعيدًا عن الخيال والجمل التصويرية.
ومن أشهر كُتّاب المقال بأنواعه: العقاد، وطه حسين، مي زيادة، وغيرهم
خصائص فنّ المقالة:
أقرأ مقالة «نحبك أيها الأردن» للأديبة هند أبو الشعر: «أنتَ الآن أيُّها الوطنُ ترفع رؤوسنا وتجعل هاماتنا تطاول السماوات، وها نحن نقف معك على عتبة السبعين في عهد استقلالِك، ونكادُ نصلُها. أنتَ الآن حالةٌ استثنائية يتدفق وهجُ الرّواد في آفاقنا، ونكادُ نستعيد أنفاس الفرسان التي تناغمت مع خيول النهضة الكبرى قبل قرن من عمر الزمن، لتتلاقى مع نبض الأجداد الذين حقّقوا استقلالنا، وأعطُونا وطناً أبياً وحرّاً يمارس سيادته بأمن وأمان. هكذا أنتَ الآن أيها الوطن... هكذا نراك في عيوننا، نراك شهماً تفتح الباب لكلّ مَن يلوذُ بك من أهلنا الذين تقاطروا دائماً على حمى الأردن، هكذا كُنْتَ دائماً: كريمًا تغيث أهلَنا العرب، وأراك في هذا العام تكبرُ وتكبر في العيونِ والقلوب، وقائدُ الوطن يقول لكلّ أردني: (ارفع رأسك)، ويحقّ له أن يطلب منّا كلّنا أن نرفع رؤوسنا؛ فلدينا جيشٌ بيده رايةُ الثورة العربية الكبرى، وأهلٌ يحملون قلوباً عربيةً طيّبةً تغيثُ الذين يلوذون بنا، وشبابٌ حقّقوا معجزةَ التعليم والخدمات الصحية المتميزة. تريد الحقّ أيها الوطن، أنتَ معجزةٌ تبعث فينا شعور التحدّي والأمل، وتحفّزنا لأن نرفع رؤوسنا مثل راياتٍ بيد فرسان، مرفوعةٍ على الهامات. أنتَ وطنٌ صغيرٌ بحجمك، ولكننا نحبك أكثر كلّما فتحت أبوابك مُشرّعةً ليلوذ بك أهلنا الذين غلبتهم أوطانهم، وأنتَ فقيرٌ بمواردك، لكنك تتقاسم مع الأهل الذين جاؤونا قطرة الماء، ولقمة الخبز، كريمٌ وطيبٌ أيها الأردن؛ لهذا نحبك ونخاف عليك، نحبك في كلّ حالاتك؛ لأنك تستحق الحبّ، ونُعتب على الذين لا يرون غير نصف الكأس الفارغ، وأقول لهم: اغفر لهم يا ربّ فإنهم لا يدرون ماذا يفعلون! سامحنا لأننا نكتب في كلّ صباح أردنيّ يملؤُه الأمنُ والأمانُ كلاماً عادياً وننسى أن نصلّي لأجلك، أنانيّتنا كبيرة، فنحن نفكر بأنفسنا وننساك، لكنك الأب الحاني والأمّ الحنون، تسامحنا وتحضننا وتنسى أنانيّتنا، فكيف نقول لك نحبّك أيها الوطنُ الآمنُ الطيّب بكلّ لغات العالم؟ من أين لنا الصوت الذي يطاول السماوات لتصل أصواتنا إلى الكرة الأرضية وتنقل حبّنا الكبير؟ أنتَ في عيد استقلالنا أجملُ وأطيبُ وأكثرُ أمناً وأماناً. أنتَ الوطنُ الذي لا مثيل له، هل يمكنني أخيراً أن أستودعك سِرَّ هواجسي ومخاوفي أيها الوطن؟ هل تصدّق أنني أخاف أن أسافر خارج حدودك وأموت بعيداً عن سمائك الساطعة بشمس حارقة تلسع جلدي؟ وهل تصدّق أنني أخاف أن تُغمض يدُ الموت عيني وأنا بعيدةً عنك؟ ألوذُ بك وأتنفس بحرّية وأقول لنفسي بطمأنينة: أنا أنامُ بأمنٍ في وطني، فماذا أريد أكثر؟ فلتَهْنؤُوا يا أبناء وطني بحرّية في وطنكم، احتفلوا باستقلال الوطن، فكروا فقط في النعم التي منحكم إياها الله بالنوم ليلاً في وطنكم الآمن الذي يحرسه الجيش العربي الأردني، وفي التمتع صباحاً بفضاءٍ حرّ يحرسه نسورُ الجوّ الأردنيّ... كل عام وأنت بكل الخير أيها الوطن.»
خصائص الفنية للمقالة:
- التعبير عن وجهة نظر الكاتب بحرّيّة.
- الإيجاز والبعدُ عن التفصيلات المُملّة.
- التدرّج في الانتقال مِنْ فكرةٍ إلى أخرى.
- البعدُ عن التكلّف اللفظي والصنعة.
4.2 فن القصة
نشأة القصة عربيًا:
كان ظهور القصة عربيًا بمفهومها الحديث في كلّ من مصر ولبنان في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان يتأرجح فنّيًا بين النّضج والضّعف، وكان يُطلق عليها قصّة أو رواية تجاوزاً.
- وتعدّ تجربة سليم بُطرس البُستاني من أبرز التجارب في هذه الحقبة، فظهرت القصّة الاجتماعيّة الممزوجة بالملامح التاريخيّة؛ وذلك نتيجةً طبيعية للاتجاهات الاجتماعية التي واكبت سير النهضة وحركة التجديد.
- وسليم بطرس صاحب «مجلة الجنان» وقد كتب قصصه في المجلة باسم روايات دون أن يكون مصطلح الرواية أو القصّة واضحاً فنّيًا لديه.
- وأهم أعماله «الهيام في جنان الشام» وقد نشر قصصاً مترجمة كذلك.
وفي عشرينيات القرن الماضي نضجت فنون القصّ والسرد وتمايزت، وأخذ كلّ لون يستقلّ بذاته وخصائصه، ويُطلق على هذه المرحلة الانتشار الفنّي للقصّة، فبرزت القصّة القصيرة بمفهوم مستقلّ.
- يُعدّ محمّد تيمور رائد القصّة القصيرة الحديثة.
- وبات مفهومها يركّز على كونها فنّاً سرديّاً يتناول لمحةً خاطفةً عن موقفٍ فرديّ أو مجتمعيّ، وتدور حول حدثٍ رئيسٍ واحدٍ ببيئةٍ فنيّةٍ مكتملة العناصر.
أنواع القصة:
- القصّة التقليدية: تبلورت ملامحها منذ العام 1920 على يد يحيى حقي ويوسف إدريس، وتحدّدت معاييرُ كتابتِها وقوانينِها وبنائها الفنيّ في المعايير التقليديّة العامة للقصة.
- قصّة تيار الوعي: وهي قصة غير تقليدية في بنائها الفنّي والتعبيري.
عناصر العمل القصصي:
ينبغي الانتباه إلى أنّ العناصر في القصّة لها قيمة فنية لا تسجيلية فقط، ويتشكّلُ بناء القصّة من عناصر خمسة، هي: ● الحدث: يتكوَّن من مجموعة أقسام تتطوَّر وتتصاعد وتتشابكُ بخلق حالة من الصراع تصل إلى ما يعرف بالحُبكة أو العُقدة وصولًا إلى الحل أو النهاية. ● الشخصيات: تُعدُّ الشَّخصيات أهمَّ عناصر القصّة؛ ففيها تُصوَّر حياةُ أفرادٍ عاديين يشاطرهم القارئ اهتماماتهم وهمومهم وطموحاتهم وأعماقهم النفسيّة. وهي عادةً تترجمُ إلى صورة بطل تدفعه الأحداثُ إلى صراعٍ مع قوى أخرى مُضادة. وتقسمُ الشَّخصيّة إلى نمطين: النامية (الرئيسة)، والثابتة (الثانوية). ويتعمد القاصُّ رسم الشَّخصيّة في أبعاد هي:
- البعد الجسدي، بتصوير ملامح الشَّخصيّة البدنيّة.
- البعد النفسي، بتصوير خصائصها الانفعالية والعاطفية.
- البعد الاجتماعي، بتصوير مستواها الطبقي ومَنزِلَتها في المجتمع.
- البعد الفكري والثقافي "الأيديولوجي"، بتصوير مبادئها ومعتقداتها وأفكارها التي تتبنَّاها.
● الزمان والمكان: هما البيئة ومسرحُ الأحداث وزمانها. ● اللغة والأسلوب: اللغةُ هي الحاملُ للفكر ومضامين النَّص ومرجعياته، وهي تتجاوزُ المفردة واللفظة المعجميّة إلى بناء النص، وهي وسيلةُ التعبير ضمن تقنيات مخصوصةٍ كالوصف والحوار والتداعي والاسترجاع والحلم وغيرها. ويتضمنُ الحديثُ عن الأسلوب توظيفَ الحوار، والحوارُ يخفّف من رتابة السَّرد ويجعلُ الشَّخصيات أكثر حضورًا وتجسيدًا للموقف، والحوارُ نوعان: داخليّ ويُعرَف بـ "المونولوج"، وخارجيّ يسمّى "ديالوج". ● المغزى: إنَّ كلَّ قصّة لها مغزاها الخاص بها، الذي يجسّد فكرة الصراع في القصّة، فلا يقدّم الكاتبُ صيغًا جاهزةً وأخلاقيات بل يكونُ العمل الأدبي مرآةً متعدّدة الزوايا.
تحليل قصة «الجزّار» / جمال ناجي
(بطيءٌ... مشكلةُ ذلك الجزّار.. أنّه بطيء) ثم تأفّفتُ.. أدرتُ رأسي نحو «شبه عجوز» ورائي، رأيتها، انطبعت تقاطيعُها المتبرّمة في مخيلتي: وجهٌ أحمرُ غاضبٌ تعلوه نُدَبٌ بنيّة، وعَرَقٌ سَخِيٌّ يسحُّ من جبهتها المتجعّدة، وفمُها المزموم بشفتين متقوّستين ينطق:
- ما أكثرَ أشغالي اليوم!
عادت تقولُ مثلَ من تحادثُ نفسَها التقطتُ رسالتها على الفور، تَقَنَّعْتُ الشَّهامة، تنازلتُ عن دَوري:
- تفضلي.. خُذي تفضلي
تحرّكت المرأةُ، شكرتني، احتلت مكاني، فصرتُ خطوةً للخلف في «الطّابور»، ربّما ابتهجت في دخيلتها حين تنازلتُ لها، ربّما سخرت مني، لكنّها لم تستطع إخفاء ملامح السرور التي غَمَرَتْ وجهها الأحمر. مشكلتي الآن لا تكمنُ في الوقت، أو في طابور الرّجال والنساء أمامي، إنّما في الطريقة التي سألجأ إليها حين أخاطبُ الجزّار، مِنْ أين سأجدُ جرأةَ النّطق بما أريد؟ كيف أبدأ معه حين يأتي دوري؟ أمّا الوقت! ما قيمةُ الوقت لرجل مثلي مُتَهَدِّلِ الثّياب مَنكوشِ الشَّعر، مُتَنازلٍ عن دَوره للآخرين؟ منذ وقفتُ في الطّابور وأنا أراقبُ الرّجال والنساء أمامي، إنَّ تَشَبُّثَهم بأدوارهم يبعثُ على التّسلية، ما إنْ يقتربُ من الجزّار رجلٌ من خارج الطّابور حتى يبدأ لغطُهم واحتجاجهم، إنّهم مُتَمَسّكون بالحقّ، لا شيء غير الحق. لا يهدؤون إلا حينما يوضّح لهم ذاك الذي اقترب أنّه لا يريدُ مزاحمتهم، إنّما الاستفسار عمّا إذا كان لدى الجزّار قطعةٌ من الكبد أو أيّ مقطع آخر من أبدان الحيوانات المذبوحة. تلفتُّ خلفي فرأيتُ رجلاً يقفُ بصرامةٍ وعُبوس، أرخَيْتُ قَسَماتِ وجهي، افتعلتُ ابتسامةً، ثم أخليتُ موقعي له، فرفع حاجبيه اندهاشًا أو استخفافًا، ثم استولى على دوري دون تردّدٍ ودون كلمة شكر! تنبّه الجزّار إلى تنازلي، قَطَبَ حاجبيه:
- يا أخ، إذا لم تحافظ على دَورك سينفَدُ اللحمُ قبل أن تصلني.
إنه أكثرُ قسوةً ممّا ظننتُ؛ فصوتُه مَجرورٌ مسحوبٌ من حنجرةٍ مُسَنَّنةٍ جارحة:
- لستُ مُتَعَجِّلاً.
فَزَجَرَني بعينيه الجارحتين، ثم سلّم المرأةَ ذاتَ الوجه الأحمر كيسًا مليئًا باللحم، فتنفّستُ واستدارت، لكنّها لم تنسَ أن تشكرني أثناء توجّهها نحو سيارتها... الأمرُ هذا مُربكٌ مُحرج، سوف أنتظرُ حتى ينتهي الطّابور، ثم أواجهُ الجزّار وحيدًا، هكذا أفضلُ، صحيحٌ أنني أمتعضُ كلّما اصطفّ خلفي رجلٌ جديدٌ أو امرأة، لكنني أجدُ نفسي مضطرًا لإخلاء موضعي والتبرع به لذلك القادم الجديد.. أخيرًا وجدتُ نفسي في مواجهة الجزّار. وقفتُ حائرًا أمامه، تلفتُّ حولي، لم أجد أحدًا، نظرتُ في وجهه فتبين لي أنَّ في عينيه حَوَلاً بسيطًا يصعبُ اكتشافه قبل الاقتراب منه، تَلَكَّأْتُ ثم جازفتُ:
- إذا سمحت...
لم أكمل، شددتُ قبضتي، آلمتني أظافري التي انْغَرَزَتْ في راحة يدي، وأحسستُ بنفاد الزّخم الذي مَلأني، ربّما أحسَّ هو بما يدورُ في خَلَدي، ربّما قال في نفسه إنَّ بي مَسًّا، وربّما....
- الدّينُ ممنوعٌ يا حبيبي!
عاجَلَني بفَظاظة، فنطقتُ ببراءة:
- لكنني لا أريدُ لحمًا
فأمسك بمقبض ساطوره، ضَرَبَه بالقطعة الخشبيّة أمامه كَمَنْ نَفَدَ صبرُه
- ماذا تريدُ إذن؟ «خَلِّصْني»
- أريدُ - إن لم يكن لديك مانع - بعضَ العظام للأطفال.
تكمنُ قيمةُ هذه القصّة في واقعيتها، ولا نقصدُ بالواقعية هنا أنَّ الكاتب يسردُ قصّةً قد وقعت بالفعل، بل هي واقعية لأنها تعبّر عن واقع الحياة ومعاناة الإنسان. وُفِّقَ الكاتبُ في تقنية السَّرد حين اتخذ ضميرَ الأنا تقنيةً سرديّة. يعجبنا قدرةُ القاصِّ الفائقة في اختيار الشَّخصيات ورسمها وكشف مكنوناتها النَّفسيّة وأدوارها عبر الوصف الخارجي والحوار؛ إذ نجده يقدّم الجزّار في ثوبِ شخصيّةٍ قاسيةِ القلب كأنّما هو بلا مشاعر، وبرعَ في رسم الأبعادِ النفسيّة الداخليّة للشخصيّات ليس البطل فحسب، بل الشَّخصيات كلّها مع ضيق المساحة اللفظية التي يستعين بها، فكان البطل مهزومًا نفسيًّا مهزوزَ الشَّخصيّة جبانَ الخُطوة مخذولَ القرار. ومن المبدع حقًّا أن نجد البطل يسير في شخصيّة نامية تبدأُ في عدم جرأةٍ على قول أي شيء وفعل أي شيء سوى التخاذل والتراجع، مع خجل من قول الحقيقة إلى نهايةٍ تمتلكُ فيها الشّخصيّة الجرأةَ لتقول ما تريد وتوصل رسالتَها للجزّار، وما أبخسها وآلمها من كلمات! ولعلَّ أهمَّ موضع للإبداع في القصّة خاتمتُها التي انتهَت على نحو مفارقٍ مدهشٍ صادمٍ للمتلقّي، صحيحٌ أنَّ الشَّخصيّة بان عليها الفقرُ والحاجة، لكنَّ المتلقي لم يكن ليتوقع أن تكون هذه هي الخاتمة، فكان التوقّع أن يطلب منه لحمًا على وجه الصدقة، أو أن يطلب منه بعض البدن بالنظر إلى قلة النقود التي معه، أمّا أن يطلب عظامًا للأطفال فهذه كانت نهايةً فارقة، فهو بهذا لا يملك شيئًا، ولا ننسى أنّه لم يقلْ لأطفالي بل قال للأطفال لينقلَ معاناته إلى حيّزٍ أوسعَ في المجتمع.
4.3 الرواية الأردنية
عرفت الروايةُ العربيّة تطوّرًا كبيرًا، وأصبحت من الفنون السَّرديّة التي شهدت انتشارًا واسعًا، وأصبح لها جمهورُها الخاص. وإن نقفُ عند الرواية الأردنيّة نجدُ انتشارَها وصعودَها اللافتَ في ساحة الأدب، وفوزَها بالجوائز العربية والعالمية. ولنا أن نعود في مسيرة الرواية الأردنيّة إلى تلك البدايات الأولى التي تصنّف أنّها أولى البدايات الروائيّة العربيّة؛ فقد حضرت الروايةُ الأردنيّة عام 1912 برواية «الفتاة الأرمنيّة في قصر يلدز» التي كتبها عقيل أبو الشعر، وجاء بعد ذلك رُوكِس العُزَيْزي في روايته «أبناء الغَسَاسنة وإبراهيم باشا» الصادرة عام 1937، وفي منتصف القرن الماضي تَحَضَّرُ رواياتٌ كتبها عيسى الناعوري وحسني فريز. وأخذت الروايةُ الأردنيّة في مرحلة النضج تحلّق في سماء الأدب في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؛ إذ أصبح الروائيّون الأردنيّون يقدّمون الأفكار والتّأمّلات والرُّؤى العميقة، ويرصدون الواقع والإنسان والغربة والمدينة في صراعاتٍ عميقة. وقد استطاع الروائيّون الأردنيّون أن يقدّموا رواياتٍ صيغت بقوالب مبدعةٍ دون أنْ يخرجوا عن الأصالة الأردنيّة والهُويّة العربيّة الحضاريّة. ولعلنا نستحضرُ رواية «أنت منذ اليوم» لتيسير سبول، ورواية «الضّحك» لغالب هلسا، ورواية «العودة إلى الشمال» لفُؤاد القسوس. وبلغت الرواية الأردنية أوجَ ازدهارها وتكاملها الفنيّ في العقود الثلاثة الأخيرة؛ فقد انطلقت إلى الانتشار العربي والعالمي، وأصبح لها جمهورُها الواسع في الأردن والوطن العربي والعالم أجمع، وتُرْجِمَت إلى لغات كثيرة من لغات العالم الحيّة، وفازت رواياتٌ أردنيّة بجوائز عربيّة وعالميّة، ومنها فوز الأديبة الأردنيّة ليلى الأطرش بجائزة كتارا عن روايتها: «لا تشبه ذاتها»، وفازت رواية «دفاتر الورّاق» للكاتب الأردني جلال بَرْجَس بالجائزة العالمية للرواية العربية الرابعة عشرة للعام 2021.