شرح الموضوع
قصة «الخبز المرّ» لوداد السّكاكيني عن اليتيم فتحي وزوجة عمّه، ودرس التّمييز وأنواعه، والتّدريبات والتّعبير.
الخبز المر
رفعَ الصّبيُّ رأسَه صامتاً واجماً، وأدار عينيه الذّابلتين في وجه المرأة الضّخمة الّتي ألحّت عليه بالأكل...
بين يدي النّصّ: وداد السّكاكيني
وداد السّكاكيني (١٩١٣-١٩٩١م): أديبة، وقاصّة وناقدة، وُلِدَتْ في صيدا بلبنان، ودرست في الكلّيّة الإسلاميّة في بيروت، وقد بدا نبوغها مبكّراً، اتّصلت بكبار الأدباء والمفكّرين آنذاك، وبدأت حياتها كاتبة في مطلع القرن الماضي، وقد تنوّعت أعمالها الأدبيّة من قصّة قصيرة، مثل: مرايا الناس، وبين النّيل والنّخيل إلى رواية، إلى مقالة.
تعدّ السّكاكيني من روّاد القصّة القصيرة الواقعيّة، التي تسبر أعماق الشّخصية، وفي قصّة (الخبز المرّ) تصوير واقعيّ للحياة الاجتماعيّة؛ إذ صوّرت فيه الكاتبة واقعاً اجتماعيّاً، قائماً على الظّلم والقهر والقسوة، من خلال مأساة الطّفل (فتحي)، الّذي فقد أباه، فتولّى عمُّه رعايته، حينما رمى به بين يدي زوجته، الّتي لا تعرف الرّحمة.
الخبز المُرّ (وداد السّكاكيني)
رفعَ الصّبيُّ رأسَه صامتاً واجماً، وأدار عينيه الذّابلتين في وجه المرأة الضّخمة الّتي ألحّت عليه بالأكل. كان يعلمُ أنّها كاذبةٌ في إشفاقها عليه، فهي السّبب في إقصائه عن أمّه.
نهض العمُّ من مجلسه كالمترنّح، وكان متربّعاً أمام المائدة الواطئة، وأخذ يمسح فمه بالمنشفة الّتي كانت فوق حِضنه، مُردّداً بصوتٍ مسموع: الحمد لله، كفاها ربّنا.
وجد فتحي خَلاصاً من موضعه، وقام مُطرقاً يضمُّ شفتيه الرّقيقتين، ويزوي ما بين عينيه اللّتين ارتعشت جفونهما، فقالتِ امرأة عمّه بسُخريةٍ، وهي تنظر إليه: تكلّمْ ما لك؟ اخرسْ لا تتكلم؟ كان هذا شأنُها ودأبُها في طعامه، لا يكاد في كلّ مرّة يتناول منه إلّا قليلاً بين لِحاظ هذه المرأةِ الغاشمةِ، والتّهيّبِ من لسان الرّجل حتّى يذهبَ بعدَ العشاء إلى فراشه لينامَ، وهو يشعر في أكثرِ الليالي، أنّ بطنه يقرقرُ من الجوع، وكان الهُزالُ يأخذ منه حتّى يوم الخميس؛ فيتحوّل ولداً آخر.
أمّا أمّ فتحي؛ فتفتحُ الباب في ذلك الميعاد، وتطلّ برأسها الملفّف بالغطاء الأبيض نحو الطّريق الّتي يأتي منها كلّ خميسٍ، فإذا أشرف فتحي من المُنعطف تهلّلَ وجهُها إشراقاً، وتخطّفُهُ قلبُها، فتضمُّه إلى صدرها، فتملأُ خدّيه ورأسه بقبلاتها، ويدور بينهما حوارٌ، سريعٌ، قصيرٌ، ثمّ تأخذ بيده إلى دار أهلها، وكانت تسكن عندهم، فإذا أقبل عليهم بالتّحيّةِ والابتسامة، وانطلقَ بمؤانستِه الواعية، أحسّتْ أمُّه أنّ الدارَ تضحكُ في ذلك المساءِ، ورأت أولاد أخيها يحتفلون به، وينتظرونه بشوقٍ؛ ليشاركَهم في اللعبِ والطّعامِ والفسحةِ يومَ الجمعةِ، فلا تسعُها الدّار على رُحبها من الفرح.
ويلتفت فتحي بين الفترة والأخرى من كلامه مع أترابه من أهل أمِّه؛ ليطلَّ على المطبخ الواسع الّذي تفوحُ منه رائحةُ الطّعام؛ فتنفتح نفسُه، وينسلُّ إلى والدته الّتي تساعدُ امرأة أخيها في إعداد المائدة للعشاء، فيشدُّ على يدها، ويُقبِّلُها برقّة وبهجة، فإذا نظرت إلى هزال جسمه، وهو يجتازُ العاشرةَ، دعت على نفسها ودمعت عيناها، ثمّ صبّت في سمعه همساً رقيقاً تبسّم له وجهُه، وابتهل قلبُه، ورفع الاثنان رأسيهما إلى السّماء متمتمَين بدعاء ولهفة.
تسمعه أمّه ضاحكةَ الوجه والقلب، وتلحُّ عليه بالزّيادة، فلا يقبلُ، ويبيتُ عندها مرموقاً بعنايتها حتى يصبحَ السّبتُ، فيستيقظُ باكياً ليرتدَّ إلى بيت عمّه، فتتلقّاه المرأةُ الضّخمةُ بسخريتها في التّرحيب به؛ إذ تراه مشرقَ الوجه مرِحَ الخطوات.
كان صباحُ الثّلاثاء موعداً للقاء أمّه في الطّريق، إذ كانت لا تصبر على فراقه أسبوعاً، فتتمهّلُ في خطاها تِلقاءَ منعطفٍ قريبٍ حتّى يُقبلَ عليها، أو تقبلَ عليه، وتعطيه ما تيسّر لها من قروش، يفرح بها أو طعامٍ يحبّه.
وقد راعها أن تأتيَ كعادتها في الصّباح الباكر ولا تلقاه، فأخذت تتفرّس في وجوه التّلاميذ المتزاحمين في طريقهم إلى الباب الكبير، ولمّا انقطع وصولُهم، وبدأ الدّرس، سألت بوّابَ المدرسة -وكان يعرفها-: أين فتحي؟ هل رأيتَه؟ بحياتك اسأل عنه. وغاب البوّاب قليلاً، ثم عاد إليها وقال: يظهر أنّ ولدكِ غائبٌ، سألتُ عنه المراقبَ ورفاقَه.
وما كادت الأمُّ القلقةُ تسمعُ هذا الجوابَ حتّى ارتدّت من حيثُ جاءت، وكانت تسارعُ في دربٍ ضيّق، طويلٍ، قلق الحجارة، حتّى وصلت إلى الحيّ القريب، ووقفتْ ببابِ عمِّ ابنها (نعيم أفندي).
كانت أمُّ فتحي تخشى أن تدقَّ البابَ، فتفتحُه المرأةُ الضّخمة، التي حرمتها الحياةَ مع ابنها، فأخذتْ تجمعُ وعيها وشجاعتَها لتطرق الباب، فأمسكت بحلْقةٍ واسعةٍ، وكأنّها جمرةٌ من نار، وأخذت تدقُّ دقاتٍ مستأنيةً متواليةً، حتّى فتحت الضّخمةُ الباب، ووقفت بجسمها الممتلئ الرِّهل، ووجهها المتهدِّلِ الخدّين والمكحولِ العينين، كانت بنظرتها المبهوتةِ تقول: ماذا تريدين في هذا الصّباح؟
كان عبوسُها لا يشجّعُ الأمَّ الملهوفة، ولا يدعوها للدّخول، لكنَّ أمَّ فتحي لم تدرِ كيف تكلّفتِ الهدوءَ وسألَتْها: أين ولدي؟ قلبي يقول: إنّه مريضٌ. فأجابت بجفاء: يا فتّاح، يا عليم! الولد مزكوم من يومين.
ولا تحسُّ الأمُّ المرتعشةُ اليدين والقدمين إلّا أنّ قدميها تخطّتا العتبة، وقد أزاحت بمنكبِها الهزيل منكبَ المرأةِ الضّخمة، وقالت لها: أريد أن أراه، أين هو؟ دلفت إلى الدّاخل، وكانت رجلاها تهتزّان كالقصب الواهي تحت خطواتها المضطربة. دخلت الغرفة وهي تستردُّ أنفاسها، فوجدت ولدَها على فراشٍ رقيقٍ، وعليه لحافٌ خفيفٌ، ومذ سمع فتحي صوت أمّه فتح عينيه، ورفع رأسه عن المِخدّة وقال: لا تخافي، أنا اليومَ أحسنُ من البارحة.
- هل تَسْعُل؟
- لا تخافي، الآن تسمعنا...
فلمست أمّه يديه وخدّيه، وأحسّت لهيباً، لكنّ أنامله كانت باردة، وقد ألحّ عليها بكأس ماءٍ، فإنَّ حلقه جافّ، كان كالمحموم يرتعشُ ويشكو الصّداع، ثم قال لأمّه هامساً: أريد أن تبقي...معي، ولكن... وما كاد ينطقُ باسم المرأة الّتي تكرهه حتّى دخل عمُّه، ورحّب بأمِّ اليتيم، وقد عطَف قلبُه على الاثنين، وترحّم على أخيه، فحنا على الضّيفة الخائفة، ودعاها للبقاء إلى جانب ولدها حتّى يشفى.
ولم تمضِ أيامٌ معدودات حتى أخذت الأمُّ تقدّم لولدها الخبزَ الّذي كان يحبّه عند أهلها، فيأكلُه من يدها فُتاتاً بالحليب، يأكلُه من غير إدام فيحسُّه شهيَّ المذاق، وتعجَبُ المرأةُ الضّخمةُ قائلةً: أراكَ تأكلُ الخبزَ في غير مهلة ولا فتور، ولا تدسُّه بعد تفتيته تحت الوعاء! ويرفع الولدُ إلى ظالمتِه عينين فارقهما الذّبول، ولاحت فيهما الطّمأنينة، وأخذ ينظر إلى أمّه، وقد تجلّد، وأراد أن يكون شجاعاً ليردّ عليها، ولكنَّ الأمَّ سبقته وقالت للمرأة الظّالمة العقيم: « لا تنسَيْ أنَّ خبزَ اليتيم مرّ ».
القواعد — التّمييز
لنتأمّل الفقرةَ الآتية، ونلاحظ الكلماتِ الّتي وُضِعَ تحتها خطٌّ واحدٌ، وتلك الّتي وُضعَ تحتها خطّان اثنان:
هذا مُهندسٌ طالبٌ مُطيعٌ عطوفٌ على والديهِ وأهلِهِ، قد كُلِّفَ في يوم من الأيام بمَهمةِ شراء بعض الحاجيّات لأسرته، كالمأكولاتِ، والأطعمةِ، والفاكهةِ، والخُضار وغيرها، ولكنه لا يستطيع فعل ذلك قبل أن يتبيّن ما يريد شراءَه وزناً، وكيلاً، وعدداً، وسعراً. حتّى إذا ما أوعزَ إليه والده، رأيته قد استجابَ لإيعازه فانطلق، فإذا انتهى به المسيرُ إلى السّوق، اشترى رِطلاً عِنباً، فإذا انتهى به المُقامُ إلى البقّال، اشترى لتراً زيتاً، وأوقيةَ زيتوناً، وكيساً دقيقاً، وعُلبةً عصيراً، وقفل راجعاً إلى بيته الّذي يَبعُدُ عن السّوق مسافةَ خمسةَ عشرَ ميلاً، والمُقامُ في حديقة مِساحتها خمسةَ عشرَ دُونُماً، لم يُترك فيها شبرٌ أرضاً، إلّا وقد عُزق عزقاً، وزُرع ورداً.
لو تساءلنا بعد أن تأمّلنا الأمثلة من الفقرة السّابقة عن العلاقة المعنويّة الّتي تربط بين الكلمة الأولى والثّانية؛ لأجبنا بأنّها علاقة تلازم بين مُبهم قد زال إبهامُه بعد ذكر تمييزه، إذ لولا ذكر كلمة (عِنباً) بعد كلمة (رِطلاً)، لما ميّز السّامع نوع المُشترى.
ومثلُ هذا ينطبق على الكلمات: (زيتاً، زيتوناً، دقيقاً، عصيراً)؛ حيث جاءت جميعها تمييزاً لما سبقها من ألفاظ دالّة على كيل.
وكذا الحال ينطبق على الكلمتين (ميلاً ودونُماً)، فقد جاءتا تمييزاً مزيلاً للإبهام المتعلق بالعدد السّابق لكلٍّ منهُما.
وكذا الحال ينطبق على كلمة (أرضاً) التي ميّزت الاسم الدّال على مساحة ما قبلها.
والملاحظ في إعراب هذا التّمييز في جميع مواقعه المذكورة آنفاً، أنّه تمييز منصوب. وقد أطلق النّحاة على هذا النّوع من التّمييز (التّمييز الملفوظ أو الذّات)؛ لأنّ مميّزَه الّذي سبقه مذكور ومصرّحٌ به في الكلام.
وهناك نوع آخر من التّمييز لم يُذكر مُميَّزُه قبله، ولكنّه يُلحظ أو يلمح لمحاً من السّياق، كما في الأمثلة الآتية:
- آية من سورة مريم (الآية ٤) (تُقرأ من المصحف).
- آية من سورة القمر (الآية ١٢) (تُقرأ من المصحف).
- آية من سورة الكهف (الآية ٣٤) (تُقرأ من المصحف).
- أكرِم بسعيدٍ ضيفاً!
- للهِ دَرُّ مهندٍ ابناً!
وإذا تأملنا ما تحته خطّ في الآيات الثلاث الأولى وجدنا أنّ المبهم (المميّز) ليس لفظاً مفرداً بل جملة، ففي الآية الأولى جاءت كلمة (شيباً) تمييزاً منصوباً محوّلاً عن فاعل، إذ التقدير: اشتعل شيبُ الرأس. أما في الآية الثانية فقد جاءت كلمة (عيوناً) تمييزاً منصوباً محوّلاً عن مفعول به، إذ التقدير: وفجرنا عيونَ الأرضِ. أما في الآية الثالثة فقد جاءت كلمة (مالاً) تمييزاً محوّلاً عن مبتدأ، إذ التقدير: مالي أكثر من مالك.
وفي المثالين الرابع والخامس، جاء التمييز (ضيفاً) و(ابناً) بعد صيغتي التعجب.
نستنتج: التّمييز: اسم نكرة منصوب، يُؤتى به لإزالة إبهام اسم قبله (تمييز الذّات، أو المفرد، والملفوظ)، أو جملة مبهمة (تمييز الجملة، والتمييز الملحوظ).
فائدة نحوية: المعدود بعد الأعداد (١١-٩٩) يعرب تمييزاً.