تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تابعنا على تيليجرامانضم

من سيرة جبرا

المواضيع

آخر تحديث:

محتويات الموضوع (٣)

شرح الموضوع

مقطع سردي من «البئر الأولى» لجبرا إبراهيم جبرا عن صندوق الدّنيا وأخيه يوسف وصديقه عبده في بيت لحم.

من سيرة جبرا

كان أخي يوسف يكبرني بأربع سنوات، ويبدو لي مع أصدقائه، أنّه ينتمي إلى عالم الكبار...

بين يدي النّصّ: جبرا إبراهيم جبرا

جبرا إبراهيم جبرا (١٩٢٠-١٩٩٤م): وُلِدَ في مدينة بيت لحم وفيها ترعرع، درس في مدارس القدس، ثم أنهى دراسته العليا في إنجلترا وأمريكا، وبعد حرب عام ١٩٤٨م، انتقل إلى العراق وعاش فيه إلى أنْ توفي عام ١٩٩٤م. وجبرا من الشّخصيات الأدبية اللّامعة الّتي نبغت في ميادين الرّواية، والنّقد، والتّرجمة، حيث عُدَّ من أفضل من ترجم لشكسبير، نال مجموعة من الجوائز الأدبية على المستوى العربي والعالمي، ومن أبرز أعماله (البحث عن وليد مسعود).

يمثّل هذا المقطع السّرديّ مشهداً واقعياً مستوحى من ذاكرة جبرا في سيرته الرّوائيّة (البئر الأولى، فصول من سيرة ذاتيّة)، إبّان الاحتلال البريطانيّ لفلسطين في بدايات القرن العشرين؛ إذ يسترجع فيه الكاتب مواقف وقعت له مع (صندوق الدّنيا)، وهو طفل صغير، يعكس فيه تجربته الذّاتيّة في وسطه الأُسَريّ مع أهله، والاجتماعيّ مع أقرانه ومن عايشهم من أبناء عصره في واقعه الحياتي التّلحميّ. هي إذن شهادة تسجيلية تاريخيّة شفويّة، على واقع الحياة الاجتماعيّة الفلسطينيّة البسيطة، الّتي كان يخيّم عليها الفقر في مدينته بيت لحم، وفي محيطها من المجتمعات الرّيفيّة الأخرى الممتدّة حولها، بكلّ ما فيها من تصوير لشظف عيش النّاس، مع شدّة عوزهم، وحسن تدبيرهم، في ظلّ شيوع حالة العُسر الماديّ في أوساط الفلسطينيّين آنذاك.

من سيرة جبرا (البئر الأولى)

كان أخي يوسف يكبرني بأربع سنوات، ويبدو لي مع أصدقائه، أنّه ينتمي إلى عالم الكبار. لا يقول كلمةً إلّا وأفتحُ أذنيّ لسماعها، فأشعرُ أنّه يُدخلني إلى عالمه، وهو -أيضاً- كان يذهب إلى المدرسة، ولكنه يلازم أقرانه في السّنّ، أو من هم أكبرُ منه، ولا أراهُ أحياناً بعد خروجه صباحاً إلّا عندَ عودته إلى الدار، وقد لا يعود حتى المساء. وكان له -فضلاً عن كتبه العربية- كتاب (إنجليزي)، في كل صفحة منه صورة تخطيطيّة أو صورة ملوّنة. وكثيراً ما أجلس بجانبه، فَيُطْلِعُني على الصور، ويتباهى بمقدرته على قراءة ما تَحتَها من كلمات إنجليزية لم يكن قد جاء دوري لتعلّمها.

وجاءني ذاتَ مساءٍ بصُندوق من الورق المقوّى، وقال: «أتدري ما هذا الصُندوقُ؟ إنّه صندوق الدّنيا، تعال، وتفرّج. كان في الوسَط فتحة مستديرة جُعِل فيها عدسةٌ مكبّرة كنا نسمّيها بَنورة (بِلّورة). وضعتُ عينيَ اليمنى عليها وأغمضتُ اليسرى، وأخذ أخي يُدير من أعلى الصّندوق واحداً من محورين جانبيين فيه، بينهما يتحرّك شريط ورقيّ لُصقت عليه صُورٌ من كلّ نوع، وتتسلسلُ الصّور في الدّاخل بدوران المحورِ، أمامَ العدسة، وقد تكبّرتْ، وتشوّهتْ، واكتسبتْ فتنة غريبة. سحرني صندوقُه، وتمنيت لو يُبقيه في البيت تحتَ يديَّ، ويسمح لي بأخذه إلى أصدقائي للتفرّج عليه. غير أنّه أخفاه عني، وعَجَزْتُ عن العثورِ عليه.

في عصرِ أحدِ الأيام، إذ كنا أنا وعبده نلعب في ساحة المهد، رأينا صندوقَ الدّنيا الحقيقي. كان صندوقاً خشبياً ضَخْماً، أزرقَ اللّون، في وسطه ثلاثُ عدسات كبيرة، يقيمه صاحبه على قاعدة متنقّلة، وقد زيّن أعلاه بمرايا وصور ملونة لنساءٍ وفرسان وخيول، ويصيح قائلاً: «تعال تفرّج يا سلام، على (عجايب) الزمان!... الفرجة ب(تعريفة) يا ولد! تعال تفرّج يا سلام...!» وتحرّقنا أنا وعبده للفُرجة، ولكن من أين لنا (التّعريفة) العزيزة؟

وقفنا قربَ الصّندوق نتفرّج على شكله وزينته، إلى أن جاء رجلان أو ثلاثة، أجلسهم صاحب العجائب على صناديق أمام الفتحات الزّجاجية، وألصقوا عيونهم بالعدسات، وراح هو يدير المحور من الأعلى، ويتغنّى، بكلام مسجوع، بعنترَ وعبلة، والزير سالم، وأبي زيد الهلاليّ، ونحن نصغي إليه، نتأمّل في الصّندوق الحاوي كلَّ هذه البدائع، ونموتُ من الحسرة. وتجمّع الصّبية حولَه، وكلهم مثلُنا يُصغون ويتحسّرون، ثم جلس آخرون أمامَ العدسات يتفرّجون، وبعدهم جاء غيرهم. وبغتةً أخرج صديقي من (عِبّه) قطعةً من كعكة بالسمسم، وقال لصاحب الصندوق: «أتفرّجُنا أنا وصاحبي بهذي الكعكةِ؟» فأجابه: «أنت وصاحبك بهذي الشّقفة؟» قال: «نعم، أنا وصاحبي». أخذ الكعكة، وعضّ منها لُقمة، وقال وهو يمضغها: «طيب. (يلّا). اقعد أنت هنا. وأنت، اقعد هناك».

في الواقع، لم يكن قد بقي من الزّبائن إلا واحد، فأجلسنا معه، وراح (يَشعُر) ويُفسّر، والصّورُ الملونة الزّاهية تتوالى وراء العدسة السّحرية: صيادون، وخيولهم، وكلابهم، وملوك، وجنود يتساقطون قتلى، ونساء، لم يكن بين ما يرويه وبين الصّور إلّا أوهى العلاقة. غير أنّ الإيحاءات كانت هائلة. وسُرعان ما انتهى العرض.

مساء ذلك اليوم عاد أبي من العمل ومعَه إطار مطاطي قديم. ثم غسل وجهه ونشّفه. وبعد ذلك جاء بصندوق العدّة. وكان يحتوي على مطرقة، وسندانٍ، وكُلّابة، وسكاكينَ غريبة حادّة، وحجرِ مِسنٍّ يلمعُ سوادُه بما عليه من زيت، ومساميرَ من كل نوع، وأزاميلَ، ولفائفَ من الخيوط المشمّعة والأسلاك. وتناول إطارَ السّيارة، واقتطع منها قطعتين بإحدى السّكاكين بمشقة، وأدخل قدمه اليمنى في تجويف إحداهما، وخطّ بالسّكين إشارة عند أصابع قدمه. ثم أخرج قدمه منها، وقصّها وَفْقَ الطّول المحدّد. ثم فعل ذلك بالقطعة الأخرى. وأنا أراقبه وأتابعه.

بعد عناء كبير، ثقبَ في جوانب القطعتين ثقوباً، أدخل فيها حبلاً رفيعاً في هذه وتلك، وأمي تروح وتجيء بالقبقاب، تخرجُ إلى الحوش؛ لتتأكد من غليان «الطنجرة» على نار الموقد، وتصيح بي وبأخي: «جيبوا لي حطبتين! اسحبوا لي سطل ميّه! وملّوا الزير...!».

في هذه الأثناء انتهى أبي من عمله: وجدته يَلْبَس قطعتي الإطار المقوّستين في قدمه، ويشدّ كلاً منهما بالحبل حول كاحله، وقال مزهواً بما صنع: «شايفة يا مريم؟ أحسن وطا!».

لم يَرُقْ لي مشهد هذا «الوطا». فقلت: «يابا، لماذا لا تشتري حذاءً من (الكندرجي)؟».

قال: «عندما تكبر، تفهم. أتعلم كم قرشاً يريد (الكندرجي) للحذاء؟ عشرين قرشاً. وإذا تساهلتَ، خمسةَ عشرَ قرشاً... حذائي القديم يَتهرّأ بالاستعمال. ولهذا سأحتفظ به لأيام الأحد... فما رأيك يا (أفندينا)؟».

كان اليوم التالي الأحد، ويوم الأحد لا نذهب إلى المدرسة، بل يذهب الجميع إلى الكنيسة. أما أنا فقصدت إلى دار عبده، وأحضرته معي إلى دارنا، ومعه صندوق كرتونيّ من صناديق الأحذية، كان أبوه قد جاء به قبل يومين. وقضّينا ذلك الصّبح في تهيئة مواد المشروع: من ورق الجرائد للشّريط، وعلبة صَمغ، وقطعة زجاج تعوّض عن (البنّورة)، وعودين أحضرناهما من كومة الحطب الّتي تجمعها أمي وجدتي للوقود.

بعد ساعتين أو ثلاث، كان كلّ شيء قد اكتمل إلّا الصّور، أسرع عبده إلى البيت، ثم عاد ومعه ثلاث صور فيتوغرافية أو أربع كالحة من صور العائلة، لم تعجبني كثيراً، وعندها تذكّرت كتاب أخي الإنجليزي. كان أخي غائباً مع أصحابه في (راس فطيس)، أو في ملعب (دير أبونا أنطون). وجئت بمِقصّ أمّي، وهي مشغولة لا تعلم ما الّذي نحن منهمكان به، ورحنا نقص الصّور من الكتاب ورقةً ورقة، ونلصقها على الشّريط، حتى لم يبق من الكتاب إلّا القُصاصات، ولكي لا ينفضحَ أمرنا بشأنه، اقترح عبده أن نحرق تلك القُصاصات، وهذا بالضّبط ما فعلنا: خرجنا إلى الزُّقاق، وأشعلنا النار فيها، وهكذا، في دقيقتين، أخفينا معالم سطونا على الكتاب، وأخذنا صندوق الدّنيا إلى أصحابنا نفرّجهم عليه، ونثير فيهم الدّهشة والغيرة، سمّيناه (السّينما)، «سينما ببلاش! سينما بلا مصاري!» هكذا كنّا نصيح.

ولكن سرعان ما ندمنا على كرمنا، فقد تجمّع صبيةُ الحارة كلُّهم، وأخذوا يتخاطفون (السّينما). فانبعج الصّندوق، ثمّ انفرط بين أيدينا، فوقعت الزّجاجة عن مكانها، ثم سقط الغطاء، ولم يبق إلّا شريط الصّور، وعندما حاولت إنقاذه، جرّ أحدهما طرفاً منه، فتمزّق، ثم جرّ آخر قسماً آخر، ومزّقه. وأخيراً جلسنا أنا وعبده على عتبة أحد (الدّكاكين) المُغلقة، وبين أيدينا بقايا مشروعنا المحطّم، ثم تركني عبده وذهب إلى البيت، واستبدّ بي الإحساس بالقهر، وبكيت.

ولم يبقَ لبؤسي لكي يكتمل إلا أن يمرّ أخي برفقة جماعته، والشّمس تغيب، ويراني مكوّماً في الرّكن من مدخل الدّكان المغلقة، وجاءني مرحاً يقول: «يلّا إلى البيت»، ورغم محاولتي إخفاء دموعي، أدرك يوسف ما أنا فيه من بؤس، وقال: «أتبكي؟ مَن ضربَك؟ قل لي مَن، حتى أكسر لك رأسه»، أشرت إلى الصّور الممزّقة، والمُبعثرة عند قدميّ، وقلت: «صندوق الدّنيا، فَتَّفْتُوه!»، تناول بعض الممزّق، ثم ألقى بها عنه. وأنهضني من مكاني قائلاً: «أعلى هذا تبكي؟ سأصنع لك ألفَ صندوق... تعال».

ولكنني، حين خطر لي ما الّذي سيفعل بي، عندما يكتشف أنّني قطّعتُ صورَ كتابه، جعلت أبكي من جديد، وأنا أسير معه. فإذا هو يسألني: «من أين دبّرت الصّور؟»، سلّمت أمري لله وقلت: «من كتابك الإنجليزي». فصاح: «إيش؟ شو بتقول؟»، كرّرت: «من كتابك الإنجليزي». جابهني، وأمسك بكتفيّ، وعدتُ أنا في بكائي، غير أنّه قال: «اسكت! بكرة بجيب غيره. بس اسكت، اسكت!». والتفت حولَه يميناً ويساراً، بكبرياء قائلاً: «لا أريد أن يراك أحد يوماً تبكي أبداً، فاهم!» قال ذلك، وجرّني من يدي ركضاً إلى البيت.

تعريفات أساسية

الأقران

المتساوون في السّنّ.

يَشعُر

يقول الشّعر.

السَّنْدَان

ما يطرُقُ الحدّادُ عليه الحديد.

الكُلّاب

آلة تُقلَعُ بها المسامير وغيرها.

قبقاب

حذاء يمني مصنوع من خشب.

الزّير

جرّة كبيرة من فخار يوضع فيها الماء.

معاينة موضوع «من سيرة جبرا» من وحدة «الوحدة السابعة» في مادة اللغة العربية. أقسام الشرح: ٣، التعريفات: ٦.

المصدر: وزارة التربية والتعليم، من سيرة جبرا (ص ٧١–٧٦)

موضوعات أخرى في الوحدة

تابع الدراسة