شرح الدرس
دلالة الخطاب بالاسم والفعل في القرآن الكريم
الجملة في القرآن الكريم بناء أحكمت لبناته، ونُسقت أدق تنسيق، لا تحس فيها بكلمة تضيق بمكانها، او لا تتعايش مع أخواتها، حتى صار من المستحيل أن تغير كلمة بكلمة، قال المفسر ابن عطية: «وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد».
وسنتناول في هذا الدرس بعض النماذج الدالة على الدقة في اختيار اللفظة في القرآن، وخاصة في مجال الاسم والفعل.
■ الفرق بين دلالة الاسم ودلالة الفعل
يقول اللغويون بأن الاسم يفيد الثبوت، والفعل يفيد التجدد والحدوث، فإذا قلت: (خالد مجتهد) أفاد ثبوت الاجتهاد لخالد، بينما إذا قلت: (خالد يجتهد) أفاد حدوث الاجتهاد بعد إن لم يكن. وكذا إذا قلت هو حافظ أو يحفظ، وهو خطيب أو يخطب. وسر ذلك أن الفعل مقيد بالزمن؛ فالفعل الماضي مقيد بالذي مضى، والمضارع بالحال أو الاستقبال، في حين أن الاسم غير مقيد بزمن، فهو أشمل وأعم وأثبت.
ومن الأمثلة على التفريق بين الاسم والفعل في الخطاب القرآني ما يأتي:
■ مُخرج ويُخرج
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ الأنعام: 95. استعمل الفعل مع الحي فقال (يُخْرِجُ)، واستعمل الاسم مع الميت فقال: (مُخْرِجُ)؛ وذلك لأن أبرز صفات الحي الحركة والتجدد، فجاء معه بالصيغة الفعلية الدالة على الحركة والتجدد، ولأن الميت في حالة همود وسكون جاء معه بالصيغة الاسمية.
يعذبهم ومعذبهم
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الأنفال: 33. نلاحظ من الآية أن الله تعالى بيّن أن العذاب لا يقع على المؤمنين في حالتين:
- وجود الرسول بينهم: وجاء التعبير عن هذه الحالة بصيغة الجملة الفعلية ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.
- الاستغفار: وجاء التعبير عن هذه الحالة بالجملة الاسمية ﴿مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فما السر في ذلك؟ وجود الرسول ﷺ بينهم مانع للعذاب، لكن هذا المنع موقوت ببقاء الرسول فيما بينهم، أما الاستغفار فقد جعله الله تعالى مانعاً ثابتاً؛ لأن الاستغفار موجود في كل وقت وهو ليس مرتبط بحياة أحد.
■ سلاماً وسلام
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ الذاريات: 24 - 25. فرّق الله سبحانه بين السلامين؛ فجعل الأول بالنصب (سلاماً) وهو سلام الملائكة، والثاني بالرفع (سلامٌ) وهو سلام إبراهيم عليه السلام، ولم يسوّ بينهما، فما السر في ذلك؟ تقدير الآية: قالوا نسلّم سلاماً؛ أي: بتقدير فعل. وقوله: (سلامٌ) أي: سلام عليكم، أي: بتقدير اسم، وهو أثبت وأقوى من الفعل؛ وبذلك تكون تحيته خيراً من تحيتهم، وهذا ما جاء عليه الأمر في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ النساء: 86.
■ صافات ويقبضن
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ الملك: 19. جاء في وصف الطير بـ (صافات) بصيغة الاسم؛ لأن الصف هو الأكثر في أحوال الطير عند الطيران، فناسبه الاسم الدال على الثبوت. وجاء في وصفهن بالقبض بصيغة المضارع (يقبضن)؛ لدلالة الفعل على التجدد. فالأصل في الطيران هو صفّ الأجنحة وبسطها، والقبض طارئ، فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة.
دعوتهموه وصامتون
قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ الأعراف: 193. فرّق بين طرفي التسوية فقال: (ادعوتموهم) بالفعل، ثم: (أم انتم صامتون) بالاسم؛ وذلك أن الحال الثابتة للإنسان هي الصمت، وإنما يتكلم لسبب يعرض له، ولو رأيت إنساناً يكلّم نفسه لاتهمته في عقله؛ لذا لم يسوّ بينهما، فجاء للتدلالة على الحال الثابتة بالاسم (صامتون)، وللدلالة على الحال الطارئة بالفعل (دعوتموهم). والجميل استخدام (أم) المعادلة؛ فدعاؤهم الأصنام وصمتهم عن دعائهم سيان، وهو عدم الاستجابة لمن يدعو دون الله شيئاً، فسوى بين الدعاء والصمت.
التقويم
١ أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي: أ ( ) الاسم يدل على الحدوث والفعل يدل على التجدد. ب ( ) لفظة (مُخرج) في قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ الأنعام: 95، تتناسب مع حالة الحياة. ج ( ) لفظة (يُخرج) في قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الأنعام: 95، تتناسب مع صفات الحي في الحيوية والحركة. ٢ أوضح الفرق بين دلالة الاسم والفعل في اللغة العربية. ٣ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الأنفال: 33. أبين السر في استخدام الاسم والفعل في الآية. ٤ أعلل: استخدام أم المعادلة في قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ الأعراف: 193. القسم الثاني