شرح الدرس
■ بين يدي السورة
سورة النساء من السور المدنية، وهي أطول سور القرآن الكريم بعد سورة البقرة، وقد نزلت هذه السورة منجمة حسب الحوادث والوقائع، وبدأ نزولها بعد الهجرة النبوية، فبعض آياتها نزل بعد غزوة أحد، ثم تتابعت الآيات في النزول كاشفة عن الواقع الجاهلي الفاسد، مبينة التشريعات التي تعالج هذا الواقع لبناء المجتمع الإسلامي الأول.
عدد آياتها مئة وست وسبعون آية، وسميت بسورة النساء؛ لأن كثيراً من أحكامها وتشريعاتها تتعلق بموضوع النساء؛ فمحور موضوعاتها الأسرة المسلمة. وهي سورة مليئة بالأحكام الشرعية التي تؤكد شمولية التشريع القرآني، فقد تضمنت أحكاماً شرعية تنظم شؤون الحياة والمجتمع بأنواعها كافة، فنجد فيها الأحكام والمبادئ العامة التي تتعلق بالمرأة، والبيت، والأسرة، والعديد من القضايا المهمة في حياة الفرد والجماعة والدولة والأمة، واشتملت السورة الكريمة على الموضوعات الآتية: أولاً: ابتدأت السورة الكريمة بالحديث عن أصل وجود الإنسان، فالناس جميعاً خُلقوا من نفس واحدة، وهذا يقتضي المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، فلا فضل لأحد على آخر باعتبار الجنس أو اللغة أو الدم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ﴾ النساء: 1. ثانياً: بينت السورة أن المرأة خُلقت من نفس الرجل، فالعلاقة التي تربطهما علاقة تكامل، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ النساء: 1. ثالثاً: دعت السورة الكريمة إلى وجوب الاهتمام بالبناء الأسري، فالأسرة هي النواة الأولى في بناء المجتمع، لذلك لا بد أن تقوم العلاقات بين أفراد الأسرة والمجتمع على دعائم قوية من الترابط والتكافل والتراحم، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ النساء: 1. رابعاً: تحدثت السورة الكريمة عن حقوق الأيتام، واليتيمات من النساء خاصة، فقررت حقوقهن في الميراث والكسب والزواج، وكشفت ما كن يتعرضن له من ظلم واضطهاد. وتنكر للحقوق، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ النساء: 3. خامساً: تعرضت السورة الكريمة لموضوع المرأة؛ فصانت كرامتها، وحفظت كيانها، ودعت إلى إنصافها بإعطائها حقوقها التي فرضها الله تعالى، كحقها في المهر والميراث وإحسان العشرة، وغير ذلك من الحقوق، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ النساء: 4. سادساً: تحدثت السورة الكريمة بالتفصيل عن أحكام الميراث لأصحاب الفروض والعصبات من أبناء وبنات، وآباء وأمهات، وأجداد وجدات، وإخوة وأخوات، كما بينت الأحكام الخاصة بالمحرمات من النساء بالنسب والرضاع والمصاهرة. سابعاً: تناولت السورة تنظيم العلاقات الزوجية، وبينت أن هذه العلاقة قامت من أجل تحقيق مقاصد عظيمة وغايات جليلة، أهمها: تنظيم غريزة الجنس بما يحفظ النوع الإنساني، فهي علاقة إنسانية تقوم على أساس من المودة والمحبة والسكينة. ثامناً: بينت السورة الكريمة حق الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوجها، وأرشدت إلى الخطوات التي ينبغي على الرجل اتباعها من أجل إصلاح الحياة الزوجية في حال وجود الخلاف أو الشقاق بين الزوجين، وبينت حق الرجل في القوامة على الأسرة، وأن هذه القوامة قوامة رعاية لا قوامة استعباد واستبداد وقهر، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ النساء: 34. تاسعاً: تناولت السورة الكريمة مجموعة من القيم الأخلاقية الفاضلة، ودعت إلى وجوب التمسك بها في التعامل الإنساني في الحياة، فأمرت بالإحسان في كل شيء، ودعت إلى التراحم والتكافل والتناصح والتسامح، وأمرت بالحفاظ على الأمانة وتحقيق العدل؛ ليكون المجتمع الإسلامي مجتمعاً قوياً متماسكاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ النساء: 58. عاشراً: بينت السورة الكريمة حرمة النفس الإنسانية وحرمة التعدي عليها بالقتل والإيذاء، وفصلت أحكام القصاص للقتل المتعمد وأحكام الدية للقتل الخطأ. حادي عشر: تحدثت السورة الكريمة عن أهمية التربية الإيمانية والإعداد المعنوي للحفاظ على الأمن الداخلي والخارجي، والحفاظ على استقرار المجتمع والدولة والأمة، وأمرت كذلك بوجوب الإعداد المادي حتى تكون الأمة من أقوى الأمم وعتاداً لمواجهة الأخطار والتحديات. ثاني عشر: وضعت هذه السورة مبادئ أساسية وقواعد عامة للمعاملات الدولية بين المسلمين والدول الأخرى، وبينت أن العلاقة أساساً تقوم على التعاون وتبادل الخبرات، وأما الدول المعتدية التي تتعرض للمسلمين وتهدد أمنهم وعقيدتهم فلا بد من مواجهة عدوانها بالجهاد حفاظاً على كيان الأمة وهويتها ومدخراتها، كما فصلت الآيات الكريمة أحكام الجهاد والدرجات التي أعدها الله للمجاهدين يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ النساء: 75. ثالث عشر: نبهت السورة الكريمة إلى خطر أهل الكتاب وخاصة اليهود، وكشفت موقفهم من رسل الله الكرام، وتعديهم على أنبياء الله وتحريفهم للرسالات، وطبيعتهم المنحرفة في نقض العهود والمواثيق، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ النساء: 155. رابع عشر: خُتمت السورة الكريمة ببيان ضلال النصارى في أمر عيسى عليه السلام وفكرتهم حول صلبه، وأنه ابن الله، واعتقاد بعضهم بألوهيته، والقول بعقيدة التثليث، قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ النساء: 171. خامس عشر: بينت السورة الكريمة خصائص المجتمع الجاهلي، وما فيه من قيم وأفكار وتصورات وتشريعات فاسدة.
■ خصائص المجتمع الجاهلي في سورة النساء
بينت سورة النساء خصائص المجتمع الجاهلي الذي نزلت الآيات الكريمة بشأنه، من أجل معالجة الانحراف في الفكر والسلوك والقيم والأخلاق التي تعامل بها الناس في هذا المجتمع، ومن هذه الخصائص الآتي: ١ إنه مجتمع يقوم على الشرك والضلال والانحراف في العقيدة. ٢ إنه مجتمع يقوم على الظلم، حيث تؤكل فيه حقوق الأيتام، وبخاصة حقوق اليتيمات، وما كن يتعرضن له من ظلم على يد الأولياء والأوصياء، فيجبرن على الزواج من أجل أكل حقوقهن في المال. ٣ إنه مجتمع يقوم على التنكر لحقوق المرأة في الميراث؛ فالرجال الأقوياء يستأثرون بالمال، ولا حظ فيه للنساء. ٤ هو مجتمع لا يقيم وزناً لكرامة المرأة ويعاملها بالتعسف والجور والاضطهاد، فهي كالمتاع إن مات زوجها يرثها الأخ الأكبر كما يرث المال. ٥ هو مجتمع يأكل الأموال بالباطل في المعاملات الربوية، وتُغتصب فيه الحقوق، وتُجحد فيه الأمانات، ويُعتدى فيه على الأنفس والأموال والأعراض. ٦ إنه مجتمع يقوم على التمييز الطبقي؛ يُستعبد فيه الإنسان الضعيف.
■ خصائص المجتمع الإسلامي المنشود
في مقابل بيان خصائص المجتمع الجاهلي الذي نزلت الآيات الكريمة لمواجهتها ومحاربتها، بينت الآيات الكريمة في هذه السورة خصائص المجتمع الإسلامي الذي يراد بناؤه، ومن هذه الخصائص الآتي: ١ المجتمع الإسلامي يقوم على أساس وحدانية الله تعالى. ٢ يقوم على أساس وحدة الأصل الإنساني، فلا امتيازات فيه لجنس أو طبقة. ٣ يقيم الأسرة المسلمة على دعائم قوية أساسها المودة والمحبة والتراحم والتكافل والإحسان لذوي القربى والأرحام. ٤ المجتمع الإسلامي يقوم على العدل والمساواة، ويأخذ بيد الضعيف ويحمي الفقراء والأيتام والمساكين. ٥ مجتمع نظيف من عوامل الضعف والانحلال، فهو يحارب الفاحشة والفتنة والفساد. ٦ يحفظ حقوق المرأة ويصون كرامتها، فهي أهل للتكاليف الشرعية، ولها أهلية قانونية ومالية مستقلة، وتملك التصرف في أموالها كالرجل، ولها الحق في اختيار زوجها. ٧ المجتمع الإسلامي يقوم على القيم الفاضلة، فيحفظ الأعراض والأنفس والأموال، ويهتم بالحرمات، ويصون الحقوق والعهود والمواثيق، ويؤدي الأمانات. ٨ يرفع من قيم العدل والمساواة بين أفراد المجتمع، وتنظم العلاقات فيه على أساس من التناصح والتسامح والتواد والتراحم. ٩ يحفظ الأمن والاستقرار من خلال الفهم الدقيق لطاعة ولي الأمر، تلك الطاعة الواعية المنضبطة، لا الطاعة العمياء يختار فيه ولي الأمر بالشورى، وتملك الأمة محاسبته ومساءلته. ويقوم ولي الأمر برعاية شؤون الأمة وحق التشريعات الربانية بما يحقق العدل ويحفظ الحقوق. ١٠ إنه مجتمع قوي بعقيدته وإيمانه، وقيامه على العلم والمعرفة، والأخذ بأسباب القوة بأنواعها المختلفة.
التقويم
١ أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي: أ ( ) سورة النساء سورة مكية. ب ( ) لم تتحدث سورة النساء عن أحكام شرعية غير الأحكام المتعلقة بالأسرة والنساء. ج ( ) تحدثت سورة النساء على المحرمات من النساء بأنواعها المختلفة. د ( ) فصلت سورة النساء كثيراً من أحكام الميراث. هـ ( ) لا ذكر في سورة النساء لشيء من أحكام العلاقات الدولية. ٢ تحدثت الآيات في سورة النساء عن حقوق الأيتام والنساء واليتيمات خاصة، أبين ذلك. ٣ وضحت آيات سورة النساء خصائص المجتمع الجاهلي، أبين ذلك في نقاط. ٤ أذكر أهم خصائص المجتمع الإسلامي كما وردت في سورة النساء.