شرح الدرس
وتكشف الأبيات الصدق الموضوعي؛ فلا يكون في المدح مبالغة تفسد المعنى وتخرجه عن إطار الصدق الواقعي، ونجد الألفاظ والتعبيرات الدينية بارزة: النبوة، ذو العرش، فترة من الرسل، الأوثان، أنذرنا نارا، بشر جنة،
أتأمل
إذا كان الشاعر الغزلي في الصورة من بوادي الحجاز في العصر الأموي: فأيُّ الغزلين أرجح أنه يمثل: العذري أم الصريح؟
تمهيد:
يُعد الغزل من أهم الأغراض الشعرية في الشعر العربي، وهو من أكثرها تأثيرًا وانتشارًا وإثارة لعواطف المتلقي، إذ يفرد الشاعر مساحته النصية لعاطفة الحب ويصوغُها صوغًا فنيًا جميلًا يقومُ على اللغةِ الرقيقةِ العذبة والمعنى المحبّبِ للنفس في نسيج شعري يرتفع عن التعبير الاعتيادي، متكئًا على الأدبية والتأثير الوجداني والقصصية والتصوير الجمالي. وقد تراجع الغزل في عصر صدر الإسلام (عصر الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين) وضعف، ولم ينظم فيه الشعراء كثيرًا. أما في العصر الأموي فقد ازدهر الغزل وانتعش وتنوعت ألوانه وكثر شعراؤه، وأصبح ظاهرة من الظواهر الأدبية لهذا العصر. وقد انقسم الغزل في هذا العصر إلى الأنماط الآتية: الغزل التقليدي، والغزل العذري، والغزل الصريح.
3.1 الغزل التقليدي
ولا شك في أن شعراء العصر الأموي قد جَرَوْا على نهج الشعراء الجاهليين بأن يجعلوا مقدمة قصائدهم المدحية أو الهجائية أو الحماسية مقدمة طللية أو غزلية، واللافت أنهم ظلوا يلتزمون في بنية المقدمة بما التزم به الشعراء الجاهليون.
وقد أبدع الشعراء الأمويون في الغزل التقليدي، ومنهم جرير والفرزدق، يقول جرير في مقدمة قصيدته النونية، مُتحسّرًا على انقطاع الوصل وابتعاد المحبوبة، واقفًا على المنازل وقد تركها أحبته، رافضًا أن يُبدل دارًا أخرى بها. (أحفظ البيتين: الأول، والرابع)
وقد قيل إن بيته «إن العيون...» أغزلُ ما قالت العرب.
أستزيد: افتتح كعب بن زهير قصيدته الشهيرة بالبُردة في مدح الرسول ﷺ بمقدمة غزلية:
3.2 الغزل العُذْرِيّ:
ولا يذهب بنا الظن إلى أن هذا اللون الغزلي من ابتكار الشعراء الأمويين؛ إذ وُجِدَ غزلٌ عُذْرِيّ في العصر الجاهلي ولو لم يكن يشكل ظاهرة شعرية، بيد أن الغزل العذري في العصر الأموي ازدهر وانتشر انتشارًا كبيرًا ليغدو ظاهرة التصقت بهذا العصر وشاعت فيه.
إن الغزل العذري غزلٌ نقي طاهر مُمْعِنٌ في النقاء والصدق والعفة، وقد نُسِبَ إلى بني عُذْرَة من قبائل قُضَاعَة التي كانت تنزل في وادي القرى شمالي المدينة المنورة بين العُلا وتيماء، ونُسِبَ إليهم لأن أبناءها عُرفوا بحبهم
العفيف الطاهر ولأن شعراءها أبدعوا شعريًا في هذا الغزل، ويُروى أن سائلًا سأل رجلًا من هذه القبيلة ممن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا، فقال له: عذري ورب الكعبة.
ولم ينحصر الغزل العذري في هذا العصر في بني عذرة وحدهم، فقد شاع في بوادي نجد والحجاز، ومنهم بنو عامر خاصة.
ويتصف الغزل العذري بصفات أهمها
العفة والطهارة والقناعة: إذ هو غزل عفيف طاهر يكتفي فيه الشاعر بالحب نفسه، يقول جَمِيلُ بُثَيْنَة راضيًا من بثينة بالقليل:
الصدق والإخلاص وثبوت المحبة دوما: إذ يكتفي الشاعرُ بمحبوبةٍ واحدةٍ يخلص لها أبد العمر، ولعل ذا يفسر لنا اقتران شعراء الغزل العذري بأسماء محبوباتهم: جميل بثينة، ومجنون ليلى، وقيس لبنى، وكثير عزة، يقول قيس كاشفًا إخلاصه وأن حبها قد ثبت في القلب ولن يزول:
أستزيد عرف الغزل العذري شاعرين باسم قيس: قيس بن الملوح الذي يُعرف بمجنون ليلى، وقيس بن ذريح الذي يعرف بقيس لبنى.
لَقَدْ ثَبَتَتْ فِي الْقَلْبِ مِنْكِ مَحَبَّةٌ كَمَا ثَبَتَتْ فِي الرَّاحَتَيْنِ الْأَصَابِعُ
اليأس والجوى وكثرة الدموع: اللافت أن الشاعر العذري في قصيدته يظهر بصورة العاشق الذليل، اليائس الذي لا يقوى على التخلص من حبه ومعاناته، ويظل يعاني دون أن يستطيع الخلاص، يقول مجنون ليلى:
1 قرت بلابله: البلابل جمع بلبال، وهو وسواس الهموم في الصدر، والمراد بقوله قرت بلابله: سكنت نفسه. نقف عند قصيدة من قصائد الغزل العذريّ وهي قصيدة قيس بن المُلوَّح (مجنون ليلى) (أحفظ أول بيتين)
مجنون ليلى (-ت 86هـ) قيس بن الملوح العامري. شاعر غزل، من المتيمين، من أهل نجد. لم يكن مجنونًا وإنما لقب بذلك لهيامه في حبّ ليلى بنتِ سعدٍ التي نشأ معها إلى أن كبرت وحجبها أبوها، ثمّ إنّ المجنونَ وأهلَه وعشيرتَه اجتمعوا إلى أبي ليلى ووعظوه وناشدوه الرحم وقالوا: إن هذا الرجل هالك، وقد حكمناك في المهر، فأبى وحلف ألا يزوجها به أبدًا، وزوجها رجلا من قومه، فيئس المجنون وزال عقله هيامًا وحسرة، وهام بعدها على وجهه ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش، فيُرى حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في الحجاز، إلى أن وجد ملقى بين أحجار وهو ميت فحمل إلى أهله.
قصيدة «تذكرت ليلى»:
تظهر لنا الأبيات السابقة صورة العاشق العذري الخارجية والنفسية، وهي صورة تزدحم بالكآبة والوحدة واليأس والإحباط، وهي صورة أيضًا تكشف لنا أن الإضاءة النصية تُسلط دومًا على الحالة النفسية للمُحَب لا المظهر الحسي للمحبوبة. يستطيع القارئ بكل يسر أن يرى كثرة إيراد الشاعر اسم محبوبته ليلى، ونلمح يأسه من أن تكون له أو أن يلقاها وهو يطارد أخبارها والماضي الجميل بحثًا عن أمل ضئيل جدًا باللقاء.
3.3 الغزل الصريح:
وهو لون من ألوان الغزل ازدهر وتطوّر في حواضر الحجاز (مكة والمدينة)، ولهذا النوع من الغزل تسميات منها: الغزل الحسي، والغزل الحضري، والغزل المادي.
وهو غزل حضري أيضًا لأنه ظهر في الحواضر من مدن الحجاز، فحمل سمات الحياة المدنية، وهو غزل صريح لأنه يعبر صراحة عن محاسن المرأة الحسية.
أسباب ظهور الغزل الحسي الحضري
العامل السياسي: فقد سعت الخلافة الأموية لتغييب القبائل العربية الحجازية عن المطالبة بحقها في الحكم وإسكات الدعوة الزبيرية، فكان أن ابتعدت حواضر الحجاز عن الخوض في السياسة وتناست صراع الحكم والخلافة، فاحتاجت إلى أن تنشغل بملهيات ومُنسيات، وأيها خير من الشعر الذي يؤجج عواطف الحب جريًا وراء نزعات عاطفية آنية؟
العامل الاقتصادي: ويُراد به الثراء المادي الذي تهيأ للمجتمع الحضري في مكة والمدينة نتيجة ما عمها من خيرات، فضلًا عن إغداق الأمويين أموالًا على الحجازيين بغرض إسكاتهم عن المطالبة بالخلافة، وما ورثه أهل مكة والمدينة عن آبائهم وأجدادهم من أهل قريش.
العامل الاجتماعي: ويُراد به التغير الاجتماعي والثقافي والحضاري الذي حظيت به حواضر الحجاز، كالاختلاط ودخول الموسيقا والغناء والجواري وشيوع الألحان وآلات الطرب.
وإن نقف عند سمات الغزل الصريح نلمح أنه شعر أقرب إلى اللهو والتسلية من جهة، وأن الشاعر يصف المرأة وصفًا حسيًا من جهة ثانية، وأنه لا يخلص لامرأة واحدة، فتكثر النساء في قصيدته من جهة ثالثة، وتصبح المرأة هي العاشقة، والشاعر هو المعشوق. يقول عُمَرُ بنُ أبي ربيعة المخزومي ناسِبًا العشق والهيامَ للمرأة لا لنفسه، وهي صورة سلبيّة للمرأة من ولادةِ مخيّلة الشاعر لا الواقع:
| بَيْنَمَا يَذْكُرْنَنِي أَبْصَرْنَنِي | مِثْلَ قَيْدِ الرُّمْحِ يَغْدُو بِي الْأَغَرُّ |
| قَالَتِ الْكُبْرَى تَرَى مَنْ ذَا الْفَتَى | قَالَتِ الْوُسْطَى لَهَا: هَذَا عُمَرُ |
| قَالَتِ الصُّغْرَى وَقَدْ تَيَّمْتُهَا | قَدْ عَرَفْنَاهُ وَهَلْ يَخْفَى الْقَمَرُ |
معالم القصيدة الصريحة لعمر بن أبي ربيعة
الوحدة الموضوعية: جاءت القصيدة الشعرية عند عمر بن أبي ربيعة قطعة فنية واحدة تدور حول موضوع واحد من أولها لآخرها، وهي سمة للغزل العذري أيضا.
نزعة الزهو والتعالي التي تصل حد النرجسية: يكشف لنا شعر هذا الشاعر نزعته التفردية وخيلاءه وتفخيم الأنا وأنها مركز التعبير لا المحبوبة، فقد بدا في تغزله بالمحبوبة خلاف الواقع، فكان في غزله محط مهوى القلوب ومحط الأنظار الذي طارت بالأخبار شهرته، يقول عمر بن أبي ربيعة:
قِفِي فَانْظُرِي يَا أَسْمُ هَلْ تَعْرِفِينَهُ؟ أَهَذَا الْمُغَيَّرِيُّ الَّذِي كَانَ يُذْكَرُ؟
أَهَذَا الَّذِي أَطْرَيْتِ نَعْتًا فَلَمْ أَكُنْ وَعِيشِكِ أَنْسَاهُ إِلَى يَوْمِ أَقْبَرُ
وقد فُسِّرت هذه الظاهرة الغريبة بأن عمرَ مصابٌ بالنرجسية؛ وهي عقدة نفسية يكون الإنسان فيها مزهوًا بنفسه، ولا ننسى أن حياة عمر كانت الرافد الرئيس لنرجسيته، فهو وسيم وغني ومن أسرة عربية مرموقة، وكان وحيد أهله، ثمّ إنَ موتَ أبيه وانشغالَ أمه عن تربيته مسبّباتٌ أدّت إلى هذا الإحساس بالتفرّد القائم على الإعجاب بالأنا.
القالب القصصي التصاعدي: لن يكون ثمة عناء في كشف أن قصيدة عمر الغزلية تبنت الشكل القصصي القائم على المراوحة والتنويع بين السرد والحوار؛ فقد نظم عمر قصائده بأسلوب القصة وعناصرها الرئيسة من أحداث وحوار وشخصيات وتشويق وصراع وتنام في الأحداث وخاتمة، ليُطلق على عمر شاعر القصيدة القصصية، ولعل هذا يبرز في قصيدة عمر الرائية، ومنها:
(أحفظ) أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتِ غَادٍ فَمُبْكِرُ غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهَجِّرُ
لِحَاجَةِ نَفْسٍ لَمْ تَقُلْ فِي جَوَابِهَا فَتَبْلُغَ عُذْرًا وَالْمَقُولَةُ تَعْذُرُ
تَهِيمُ إِلَى نُعْمٍ فَلَا الشَّمْلُ جَامِعٌ وَلَا الْحَبْلُ مَوْصُولٌ وَلَا الْقَلْبُ مُقْصِرُ
وَلَا قُرْبُ نُعْمٍ إِنْ دَنَتْ لَكِ نَافِعٌ وَلَا نَأْيُهَا يُسْلَى وَلَا أَنْتِ تَصْبِرُ