شرح الدرس
أتأمل
أربط بين شعر النقائض وفن المناظرات.
تمهيد:
- قدّم العصر الأموي فن النقائض الشعرية، إذ فيه ينظم الشاعر قصيدة، ثم يبادر منافسه فينقض هذه القصيدة بأخرى تجري مع الأولى في وزنها وقافيتها، ويحاول أن يظهر براعته وتفوّقه في الصياغة الفنية، ومعاني الهجاء والتفاخر.
- وتعد النقائض من الوثائق التاريخية الجامعة للحوادث، وسفرًا للمناقب والمثالب الاجتماعية، وكتابًا للأنساب. وأشهرها نقائض جرير مع الفرزدق والأخطل.
4.1 أصل النقائض:
- وقد يثار تساؤل حول أصل النقائض: أمن ابتكار شعراء الهجاء في العصر الأموي أم لها أصول تاريخية؟ لا شك في أن العرب في الجاهلية عرفوا المنافرات الشعرية التي تعد النموذج الأولي للنقائض، غير أن المنافرات الدينية بين شعراء الإسلام وشعراء قريش الذين هاجموا الإسلام تعد الشكل الأقرب للنقائض، ولا يعني هذا أنّ النقائضَ تطوّرٌ تاريخي للمنافرات فحسب، بل إن لها أيضًا خصوصية تعبيرية وأسلوبية جعلتها ذات تفرد وتميز أيضًا؛
- إذ هي تتبنى عقلية جديدة، وفكرًا متطورًا، يعتمد المنطق من جهة، وهجاءً مُقْذِعًا ليس له ضوابطُ أو أدبيّات، يضاف إلى هذا أن الهجاء في العصر الأموي لم يكن إلا تنافرًا أدبيًا من غاياته الشهرة الأدبية، ولا ننسى أن شاعرَ النقائض الأمويّة كان مقيّداً بالتزام القالب الشعري الذي بدأ به خصمه، وعليه أن ينقض معاني خصمه أجمعها ليس يفلت معنًى منها، دون أن يهمل الجانب الجمالي التجميلي لنصه ومده بروافد ثقافية وتاريخية وإقناعية.
أما مسرح النقائض فكان سوق المربد الواقع قرب بوابة البصرة. ومن الجلي أن موقع السوق ومكانته التجارية وكثرة زواره ومُرتاديه كانت أسبابًا لاتخاذه مسرحًا للنقائض.
أستزيد أتبين موقع سوق المربد اليوم على الخرائط الإلكترونية: 9MJJ+V86 المربد، الزبير، البصرة محافظة، العراق
4.2 أسبابُ ازدهار النقائض:
من أسباب نمو فن النقائض في هذا العصر: الانشغال بالعصبية القبلية: لعل عودة العصبيات القبلية وانشغال الناس بها يعد واحدًا من أهم أسباب نمو النقائض وتفشيها.
التغيرات الاجتماعية العميقة: إذ أنتج ترف الحياة والرخاء حاجة المجتمع العربي والبصرة خاصة إلى أضرب جديدة من اللهو يسد بها الناس أوقات فراغهم الطويلة وهم يملكون المال، وثمة فراغ وضغوط حياة على حد سواء. والغريب أن الأمر كان أقرب إلى التسلية والترويح عند معظم الناس منه إلى التحارب والاقتتال الحقيقي بسبب تلك النقائض.
العامل التثقيفي العقلي: لقد نما العقل العربي بفعل التعلم والثقافة والقراءة في التاريخ وأيام العرب والأحساب والأنساب، والاطلاع على الثقافات التي مدته بأساليب الحوار والجدل والمناظرة والحجاج.
الدافع السياسي: احتاج خلفاء بني أمية إلى مُشغلات ومُلهيات تُبعد الناس عن السياسة وتنسيهم المطالبة بالخلافة، وتدفع إلى أن يتجنب الناس مناصرة الفرق السياسية ودعواتها، فوجدوا ضالتهم في شعر النقائض.
الدافع النفسي الشعري: ويبقى الدافع النفسي نحو الشهرة، إذ كانت النقائض وسوق المربد فرصة للشعراء كي يسوقوا بضاعتهم الشعرية، متخذين الهجاء الذي كان يُسلي الناس ويجذبهم وسيلة للوصول للشهرة، ولعل هذا ما دفع شعراء ليس لهم تلك الشهرة والفنية الشعرية إلى أن يُناقضوا جريرًا الذي هزمهم جميعا.
4.3 شعراء النقائض:
اتفقت العرب على أن أشعر أهل النقائض ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل. واختلفوا في تقديم بعضهم على بعض. ثم قضت كثرتهم للفرزدق في الفخر، وللأخطل في المديح، وخصوا جريرًا بالفضل في الهجاء والغزل والرثاء. ومن أطرف قصص النقائض قصة جرير مع الراعي النُمَيْرِي، وكان من سوء حظ النميري أنه فضل الفرزدق على جرير بقوله: يَا صَاحِبَيَّ دَنَا الْأَصِيلُ فَسِيرَا غَلَبَ الْفَرَزْدَقُ فِي الْهِجَاءِ جَرِيرَا فنظم جرير قصيدة هجاه بها كما هجا الفرزدق، وفيها يقول للراعي النميري: (أحفظ البيت الأول) فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا وَلَوْ وَزَنَتْ عُقُولُ بَنِي نُمَيْرٍ بِمِيزَانٍ لَمَا بَلَغَتْ ذُبَابَا ولم يلبث الراعي النميري أن انصرف يعلوه الخزي والصغار، واتجه إلى منازل قبيلته نُمَيْرٍ في نجد، وهو يردد: فضحنا والله جرير، وهم يقولون: هذا شؤمك.
أستزيد ثمة (مشاهير) يستغلون المواقف الجدلية؛ سعيًا للشهرة وزيادة المتابعين، غير مبالين بالضرر الذي يلحقونه بالوطن والمواطن، فهم مثل شعراء النقائض قد سعوا للشهرة وأججوا العصبيات والكراهية بين الناس بحجة التسلية والترفيه. جرير: (28 - 110 هـ = 640 - 728 م) جرير بن عطية الخطفي، من تميم: من أشعر أهل عصره، وقد وضعه ابن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين مع الفرزدق والأخطل. عاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان عفيفًا، وهو من أغزل الناس شعرا. وكان هجاءً مرًا؛ فقيل إنه غلب أربعين شاعرًا، ولم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل.