شرح الدرس
اتفقت العرب على أن أشعر أهل النقائض ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل. واختلفوا في تقديم بعضهم على بعض. ثم قضت كثرتهم للفرزدق في الفخر، وللأخطل في المديح، وخصوا جريرًا بالفضل في الهجاء والغزل والرثاء.
أتأمل
أسمي الحدث: خطبة / خطبة
5.1 الخطابة:
تمهيد: كان قيام الدولة الإسلامية علامة فارقة لازدهار فن الخطابة، إذ اتخذها الرسول ﷺ سبيلًا يدعو إلى الدين الحنيف ويشرع للمسلمين ويضع لهم الضوابط والتعاليم، ويهذبهم بآداب رفيعة من السلوك السامي، مبينًا لهم معاني الإسلام الروحية، واضعًا الحلول لكثير من المشكلات الدنيوية. وقد وضعت الخطابة النبوية معايير جديدة للخطبة؛ إذ يخطب فيها الخطيب خطبتين، يستريح بينهما، ويقف فيها الخطيب على منبر، ويُقبل على الناس مُسلّمًا، وتبدأ الخطبة بحمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله المصطفى ﷺ، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو ما يعرفُ بالتَّحْمِيد، ويأمر فيها بتقوى الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ، وفي آخرها يكثر الدعاء. وأصبحت الخطابة في العصر الأموي من أهم الفنون النثرية، وكان لظهور الفرق الإسلامية وكثرة الفتوحات أثر كبير في ازدهار الخطابة في هذا العصر.
أنواع الخطابة:
الخطبة الدينية: وهي الخطبة التي تُقال في المناسبات الدينية، ومنها خطبة الجمعة وخطبة العيدين، وخطبة عَرَفَة. وإن أبلغ الخطب الدينية خطبة الرسول ﷺ في يوم عرفة التي تعرفُ بخطبة حجّة الوداع، ومنها بعد الحمد لله والثناء عليه: «يا أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا في هذا الموقف. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام إلى يوم تلقون ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها».
خُطبة الحماسة والجهاد والفتوح: وهي الخطبة التي تُقال قبل المعركة والتقاء الجيوش؛ لإثارة الحماسة والحض على الشجاعة والإقدام والصبر والجهاد في سبيل الله، كخطبة خالد بن الوليد ؓ في اليرموك إذ حَمِدَ الله وأثنى عليه، وقال: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْفَخْرُ وَلَا الْبَغْيُ. أَخْلِصُوا جِهَادَكُمْ، وَأَرِيدُوا اللَّهَ بِعَمَلِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ. هَلُمُّوا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَهَيَّئُوا، إِنْ رَدَدْنَاهُمْ إِلَى خَنْدَقِهِمُ الْيَوْمَ لَمْ نَزُلْ نَرُدُّهُمْ، وَإِنْ هَزَمُونَا لَمْ نُفْلِحْ بَعْدَهَا».
أستزيد
لنا أن نُفرّق بين الخُطبة بضم الخاء وهو الكلام الشفوي الذي يلقيه الخطيب على جمهور من الناس في مناسبة معينة، والخُطبة بكسر الخاء وهي طلب يد الفتاة للزواج.
خُطبة البيعة: وهي الخطبة التي يقولها الخليفة بعد أن يبايعه الناس على الخلافة وتولي أمورهم، ومنها خطبة أبي بكر الصديق ؓ بعد مبايعته بالخلافة فصعد المِنْبَر، وَخَطَبَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى أَرُدَّ لَهُ حَقَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْقَوِيُّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنْ عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ».
خُطبة الزواج: وهي الخُطبة التي يقولها خطيب من أهل الرجل عند طلب يد الفتاة، وتُعْرَفُ أيضًا بخطبة الحاجة.
الخصائص الأسلوبية لفن الخطابة:
- جزالة اللفظ وفصاحته.
- وضوح المعنى واستقامة التعبير.
- حُسْنُ الترابط والنسج بين أجزاء الخطبة.
- الإقناع والتأثير، بأن يكثر الخطيب من الحجج والأدلة من جهة ويعتمد أسلوب الخطاب من جهة ثانية، ويكثر من أساليب النداء والطلب والتنبيه أيضا.
5.2 فنّ الرسائل
تمهيد: 1. يُعد ازدهار فن الرسائل علامة فارقة في الأدب العربي؛ فمما لا شك فيه أن فن المراسلات فن كتابي بالدرجة الأولى، على خلاف الفنون الأدبية الأخرى، ولعل هذا يفسر قلة الرسائل وندرتها في العصر الجاهلي.
- أما في العصر الإسلامي فقد كانت الكتابة دعامة من دعائمه، فقال الله تعالى في أول آيات نزلت على رسوله ﷺ:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾
(سورة العلق 1-4)
أتذكر درست في مهارة الكتابة في سنوات سابقة شروط كتابة الرسالة وعناصرها. أذكرها.....
عوامل ازدهار فن الرسائل:
نهضت الرسائل في هذا العصر نهضة واسعة، وهي نهضة ترد إلى أسباب، أبرزها:
- أثر الإسلام في نشر العلم والمعرفة والتعلم والحث على نشر الدين والإقناع.
- إنشاء ديوان الرسائل.
- اتساع رقعة الدولة الإسلامية وحاجة الأمصار والولايات إلى التواصل مع مركز الخلافة.
- حاجة الناس وقد أتقنوا القراءة والكتابة إلى التواصل مع بُعد المسافة بينهم.
أستزيد يُعد الخليفة عمر بن الخطاب ؓ أول من أدخل نظام الدواوين إلى الدولة الإسلامية.
أنواع الرسائل
الرسائل الديوانية: وهي المراسلات الرسمية التي تتم بين الخليفة وولاته أو قادة جيشه، والمراسلات التي تتم بين الولايات والأمصار والعاصمة في الشؤون المتنوعة، والمراسلات بين الدولة وغيرها من الدول. ولعل أشهر تلك الرسائل رسائل الدعوة التي أرسلها الرسول ﷺ لملوك الحضارات المحيطة وعظمائها، ومنها رسالته إلى كسرى ابن هرمز ملك الفُرس، وَكَتَبَ:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ».
نرى جليًا أن الرسالة تُفتتح بالبسملة، ونلمح أيضًا الأسلوب المرسل البعيد عن السجع والتأنق بالمُحسّنات البديعية، ويبرز جليًا الأثر الديني فيها، والوضوح في إيصال المعنى، والإيجاز وعدم الإطالة والاستطراد، والبعد عن التصوير الفني، والميل إلى الإيصال والتبليغ دونما تعقيد وغموض.
الرسائل الوجدانية (الإخوانية): وهي الرسائل التي تكون بين الأهل والأصدقاء بعيدًا عن الصفة الرسمية للمُرْسِل والمُرْسَل إليه. وتجدر الإشارة إلى أن الرسائل الوجدانية لم تكن شائعة شيوع الرسائل الديوانية في العصر الإسلامي.
5.3 الوَصِيَّةُ
تمهيد: ومن الجلي أن الوصية تعلن حرص السَّلَف على أبنائهم ومجتمعاتهم، كيما تقودهم للأفضل والأمثل، وتجنّبهم الوقوعَ في الأخطاء التي وقعوا فيها، وهي لذلك تعدّ بابًا من أبواب الحوار بين الأجيال المتلاحقة في بنية تعبيرية مأمونة من فرض التسلُّط والإجبار. وإن نبحث عن الأصل اللغوي فإننا نجد في معجم «لسان العرب» لابن منظور: ««وَصَتِ الأَرضُ وَصْيًا ووُصِيًّا ووَصَاءً: ووَصَاءً: اتَّصَلَ نباتُها بعضُه ببَعْض». ولا شك في أن هذا المعنى اللغوي يُطلعنا على المقصد الاصطلاحي في رغبة الموصي أن يكون للابن أو المُوصَى خبراته وأخلاقه وتجاربه كما لو أنه اتصال المعرفة والخبرات والتجارب بين كليهما.
الاهتمام بالوصية
لما جاء الإسلام كان التركيز على الوصية من جانبها الديني والتشريعي والخُلُقي، وقد تنوعت ما بين وصايا الله لعباده في الإيمان والاعتقاد ومعاملة الوالدين بالحسنى، والأنبياء ؑ لأتباعهم وأبنائهم، وكلها في إطار أخلاقي وتشريعي وتوجيهي خالص، يقول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. وتعد وصايا لقمان الحكيم لابنه من أبلغ الوصايا التي وردت. ولم تقتصر الوصايا على القرآن الكريم وحده، بل نجد النبي ﷺ - أيضًا متخذًا الوصية سبيلًا لإيصال الأحكام الشرعية وللتوجيه والتهذيب، ولعل خطبة حجّة الوداع كانت أشبه بوصية كلية للمجتمع الإسلامي والناس أجمعين. وسار الصحابة ؓ من بعد الرسول الكريم ﷺ - ينتهجون خطاه في الوصية للمسلمين عامة، ولأولادهم وذويهم خاصة، وقد أوصى أبو بكر ؓ - حين حضره الموت عمر بن الخطاب ؓ قائلا: «يا عمر، إن لله حقًا بالليل لا يقبله إلا بالليل، وإن الله لا يقبل نافلة حتى تُؤدَّى فريضته، فكن مؤمنًا راغبًا راهبًا». وصارت الوصية في العصر الأموي فنًا أدبيًا ينقل فيه المُوصي خبرته وحرصه وتجاربه في أسلوب أدبي يجمع بين التأثير والإقناع. وللوصية في العصر الأموي أنواع، منها: الوصية السياسية، والوصية الحربية، والوصية الاجتماعية.