شرح الدرس
يُقصد بشعر الطبيعة ذلك الشعرُ الذي يتَّخذُ من عناصر الطبيعة الحيَّة والصامتة مادَّته وموضوعاته. وقد دَرَجَ الشعراء على وصف العديد من مظاهر الطبيعة كالإبل والخيل، والنبات والنجوم والسحب والسهول، والديا
تمهيد:
وقد دَرَجَ الشعراء على وصف العديد من مظاهر الطبيعة كالإبل والخيل، والنبات والنجوم والسحب والسهول، والديار والأطلال، والرياض والزهر والماء، والقصور والبرك والتماثيل، وغيرها. أما شعر الطبيعة في الأندلس فحالتُه خاصَّةٌ؛ إذ إنَّ شعراء الأندلس في وصف الطبيعة فاقوا المشارقة في هذا اللون كمًّا وكيفًا، وتوسَّعوا ونوَّعوا وجدَّدوا في موضوعاته وأبدعوا في التصوير، وكثيرًا ما مزجوا الطبيعة بالمدح والرثاء والغزل. ومن الطريف أنَّ ابن زيدون وقد كان يتغزَّلُ بولادة نسي الغزل وغَرِقَ في وصف الطبيعة:
3.1 أسباب ازدهار شعر الطبيعة الأندلسي
لعلَّ من أهم الأسباب التي أدَّت إلى اعتناء الشعراء الأندلسيين بوصف الطبيعة في شعرهم:
- جمال الطبيعة الأندلسية: استحلَى الشعراء الأندلسيون الطبيعة الخلَّابة وكثرة العيون وتنوُّع التضاريس من جبال خضراء وسهول خصبة، وحدائق مُزْهِرة وبساتين مثمرة، ومَصَايفَ ونَسائمَ عليلةٍ ومدنٍ عامرة وقلاع حصينة وطُرُق مرصوفة. ولا شكّ في أنّ هذه الجَمَاليّاتِ للطّبيعةِ الأندلسيّة تمنحُ الشعراءَ الإلهام وتَمُدُّهم بمادة تصويريَّة غزيرة تمجيدًا لجمال بلادهم. يقول ابنُ خَفَاجَة مُتَغَنِّيًا بطبيعة الأندلس وجمالها وهي نعمةٌ أنعمها الله على أهل الأندلس: (أحفظ البيت الأول)
- حياة اللهو والتّرَف وانتشار مجالس الأنس والطرب، جميعها تتخذُ من الطبيعة مَسْرَحًا لها، وجميع المظاهر تشكِّل منظرًا عذبًا وجمالًا يحلمُ به الحالمون. وبلغ التفنُّن في شعر الطبيعة الحدَّ الذي يسمحُ بتقسيمه إلى أبواب عديدة مثل: الزَّهريات والرَّوضيات والثَّمريات والمائيات والثلجيات وغيرها.
- تعلُّق الأندلسي بموطنه: هل يعقلُ أن يُعرِض الأندلسيون عن الزهو بموطنهم وهم متعلِّقون أشدَّ التعلُّق به، يقول ابنُ سَفَر المَرِيني:
- الشعر المُغَنَّى: صحيح أنَّ الشعر يُمكن أن يُغَنَّى، لكنَّ الإنسان يطربُ إلى تلك الأشعار التي تفيض وصفًا للطبيعة التي يتعلَّق بها فتهيج أفراحه وأحزانه، وهي تسترجع ذكريات عاطفية مرتبطة بالمكان والطبيعة، فيأخذ الغناء يصف الرياض والأزهار والأرض والسماء في تجليات المساءات الصافية والنسائم العليلة.
- سقوط المدن الأندلسية: من البدهي أن يقترن شعر الطبيعة بالرخاء والسخاء، وبالأمن والفرح والجمال، وكلُّ ذلك يمثِّل حاضنة للطبيعة، لكنَّ ثَمَّةَ وجهًا آخر مؤلمًا حين يرى الأندلسيُّ موطنه الجميل الذي تعلَّق به آل إلى خراب ولم يعد له، ويبدو أنَّ الشاعر الذي رسم رؤيته الفرحة «أندلسه» لم يتقبَّل أن يرتدَّ الأندلس هذا خرابًا ودمارًا، أو أن يصبح بكلِّ ألمٍ فقيدًا بعد أن سقطت مدينته بأيدي عدوِّه، فلا تمتلك رؤيته إلا أنْ ترسم بالشعر صورةَ المكان صورةً حزينةً كئيبة قائمةً على مفارقة التصوير بين الحاضر والماضي، غير مصدقة أنَّ هذا المكان في الحاضر هو ذلك المكان في الماضي، يقول ابن خفاجة واصفًا ما حلَّ بـ «بَلَنْسِيَة»:
ولعلَّ شعر رثاء المدن كان وجهًا قاتمًا لوصف المدن والمكان والطبيعة، وتُعدُّ نونية أبي البقاء الرُّندي من أشجن ما جادت به قريحة الشعراء في رثاء الأندلس كاملة، مصوِّرًا فجيعة الخسارة وسقوط البلاد، وباكيًا على ما آلَ إليه حالُ الأندلس ومدنها، يقول أبو البقاء الرُّندي:
3.2 الخصائص الفنيَّة لشعر الطبيعة الأندلسي:
يقول ابن خفاجة في قصيدته المشهورة بقصيدة الجبل: (أحفظ البيت الاخير)
من أبرز السمات الفنيَّة لشعر الطبيعة الأندلسي:
- هويته الأندلسية: إذ دومًا يصرُّ الشاعر أنَّ الجمال إن هو إلا جمال الأندلس، وأنَّ لها خصوصيَّة لا تكون في غيرها.
- الزخرفة والتزيين البديعي: لعلَّ الشاعر أراد أن يستعين في شعره بما يترجم إحساسه بجمال الطبيعة وتنوُّع مظاهر الحسن فيها، فكانت المحسِّنات البديعيَّة من طباق ومقابلة وجناس وتقسيم سبيلًا لذلك.
- غلبة التصوير الفني: يكثر التصوير الذي ينقل فيه الشاعر بكلماته المشهد الصوري الطبيعي أمامه، فنجد غلبة التشبيه والاستعارة وكثرة توظيفهما الذي ينمُّ عن خيال خصب، ويلفت المتلقي شيوع التشخيص والتجسيم، وذلك بإبراز الصور على هيئة أشخاص وكائنات حيَّة، وبثِّ الحياة في الجماد؛ كتصوير الجبل وقورًا صامتًا.
أستزيد: التشخيص في مفهومه الأدبي: إعطاء خاصية متعلقة بالكائنات الحية من إنسان وغيره للجماد، وثمة مصطلح آخر هو «الأَنْسَنَة» وهو تقنية تصويرية، تقوم على إضفاء صفات إنسانية على الأشياء على سبيل التخييل، شأنها في ذلك شأن التشخيص أو التجسيم.
¹ الفيافي: الصحارى والأرض القفر / أرعن: جبل شامخ مرتفع / يلوث: يلف / أصخت: استمعت / أواه: عابد متضرع / يظعن: يموت ويرحل.