شرح الدرس
كتب لسان الدين بن الخطيب طالبًا العون من أهل المغرب لنصرة الأندلس: «أيها الناس، رحمكم الله تعالى، إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدو -قصمه الله تعالى- ساحتهم، ورام الكفر -خذله الله تعالى-…
أتأمل
كتب لسان الدين بن الخطيب طالبًا العون من أهل المغرب لنصرة الأندلس: «أيها الناس، رحمكم الله تعالى، إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدو -قصمه الله تعالى- ساحتهم، ورام الكفر -خذله الله تعالى- استباحتهم، وزحفت أحزاب الطواغيت إليهم». هذه الرسالة تمثل لونًا من ألوان فنّ الرسائل يُعرف بـ .....................
تمهيد:
مما عُرف عن النثر في الأندلس أنه يقتفي الأثر خلفَ نثر المشرقيين ويسير على نَهجهم، فكلُّ جديدٍ في المشرق سُرعان ما يتلقفه الأندلسيون، ولا ننسى تلهفهم على كتب المشرقيين التي كانت تصل إليهم، فكُتب الجاحظ على سبيل المثال وصلت الأندلسيين في حياته. ومن أبرز فنون النثر في الأندلس: فنّ الرسائل ( الديوانية، والإخوانية، والأدبية)، والمَقامات، وفنّ الخَطابة، والمُناظرات.
5. 1 فنّ الرسائل
عرف الأندلسيون فنّ الرسائل، وكانت رسائلهم قطعًا نثريّة فنية مصنوعة، متفاوتة الأطوال تتضمن شعرًا حسب الحاجة، وتكتبُ بعبارات بليغة وأسلوبٍ رشيق وألفاظٍ منتقاة ومعانٍ طريفة. وقد انتشرت كتابة الرسائل كثيرًا لما تتميز به من حرية واسترسالٍ في الأسلوب بعيدًا عن قيود الأوزان والقوافي.
- الرسائل الديوانية
تعرف بالسُّلطانية؛ لصدورها عن ديوان الحاكم يوجّهها إلى ولاته وقادة جيوشه وأعدائه، ويبرمُ فيها العهود والعقود والمبايعات، ونظرًا لكونها رسائل ذات ارتباط بقضايا مخصوصة لم يبالغ كُتّابها بالإجادة الفنية. وكان الخلفاء والأمراء يتخيرون الكُتّاب ممّن يحسنون انتقاء العبارات الدالّة، ويجوّدون في بناء الصياغات المؤثرة.
- الرسائل الإخوانية
إنّ هذا اللون من الرسائل الذي يدور بين الإخوان والأصدقاء فيه مُتّسع للإبداع والتفنّن؛ إذ يجري على السجيّة ويُطلق القرائح في التعبير عن العواطف، بأسلوبٍ عذب ولغة منمقة. ويُنسج هذا اللون في التّهاني والتّعازي والتّهادي والشَّفَاعاتِ والاستعطافِ والاعتذار والشّكوى والشّكر والعتاب والشوق. واشتهر الشاعر ابن زيدون برسائله الإخوانية، ومنها الرسالة الجدّيّة والرسالة الهزليّة، كانت الجدّيّة في عتاب أبي الحزم بن جهور واستعطافه، وأما الهزلية فكتبها على لسان ولادة لابن عَبْدُوس يسخر منه ويحقره.
- الرسائل الأدبية: رسالة التوابع والزوابع
تُعدّ رسالة «التّوابع والزّوابع» لابن شُهَيْد الأندلسي قصة خيالية، وصلتنا عبر كتاب «الذّخيرة في مَحاسن أهل الجزيرة» لابن بسام منقوصةً غير كاملة، والتابعُ هو الجنيّ، وأما الرابع فيقال إنّه اسم لشيطان. وكان الدافع وراء إنشائها شخصيّا نابعًا من إحساس ابن شُهَيْد بالتهميش من قبل معاصريه من الأدباء والكُتّاب؛ إذ لم ينزلوه منزلتَه التي يستحقّها كيدًا وحقدًا وغيرة، فهداه خياله إلى كتابة قصة يلتمس فيها تقديرًا، لا من معاصريه، بل ممّن هم أعظم منهم قدرًا وشهرة. وفيها يلتقي بجنيّ يُدعى زُهَيْر بن نُمَيْر، تنشأ بينهما صداقة، ويُحمله الجنيّ زهيرٌ إلى أرض الجنّ حيث يلتقي بتوابع الشعراءِ المشهورين، من الشعراء الجاهليين والأمويين والعباسيين، ويلتقي ببعض شياطين الكُتّاب، ويجري معهم محاوراتٍ طريفةً، ويُسمعهم من شعره ونثره، فينال منهم الإعجاب، ويقابل بعضهم بالاحترام، كما فعل مع شيطان امرئ القيس وأبي نواس وأبي تمام، ويخرج من هذه اللقاءات مُجازًا مشهودًا له بالفضل والتفوّق، كأن يقول له أحد الجنّ: «ما أنتَ إلا مُحسنٌ على إساءةِ زمانِكِ». وفي جزء آخر من الرسالة يبدي ابنُ شُهَيْد رغبته في لقاء الكُتّاب، فيصحبه الجنيّ إلى أبي هبيرة تابع عبد الحميد الكاتب، وعُتبة بن الأرقم تابع الجاحظ فيحاورهما.
وهذا مقطعٌ من رسالة ابن شُهَيْد الأندلسي:
- «تذاكرتُ يومًا مع زُهير بن نُمير أخبار الخُطباء والشّعراء، وما كان يألفُهم من التّوابع والزوابع، وقلتُ: هل حيلةٌ في لقاء من اتفق منهم؟ قال: حتى أستأذن شيخنا. وطار عني ثم انصرف كلمح بالبَصَر، وقد أذن له، فقال: حُلَّ على متن الجَواد.
- فصرنا عليه؛ وسار بنا كالطائر يجتابُ الجوّ فالجوّ، ويقطعُ الدَّوّ فالدَّوّ، حتى التمحتُ أرضًا لا كأرضنا، وشارفتُ جَوًّا لا كجوّنا، متفرع الشجر، عطر الزَّهر؛ فقال لي: حللتَ أرض الجن أبا عامر، فبمن تُريد أن نبدأ؟ قلتُ: الخطباء أولى بالتقديم، لكنّي إلى الشعراء أشوقُ. قال: فمن تُريد منهم؟ قلت: صاحب امرئ القيس.
- فأمال العنان إلى وادٍ من الأودية ذي دَوح تتكسرُ أشجاره، وتترنمُ أطياره، فصاح: يا عُتيبة بن نوفل، بسقط اللّوى فحومل، ويوم دارة جُلجُل، إلاّ ما عرضت علينا وجهك، وأنشدتنا من شعرك، وسمعت من الإنسي، وعرّفتنا كيف إجازتك له! فظهر لنا فارسٌ على فرسٍ شقراء كأنها تلتهب، فقال: حياك الله يا زُهير، وحيا صاحبك، أهذا فتاهم؟ قلتُ: هو هذا، وأيّ جمرةٍ يا عتيبة! فقال لي: أنشد؛ فقلتُ: السيد أولى بالإنشاد.
- فتطامح طرفُه، واهتزّ عطفه، وقبض عنان الشقراء.»