شرح الموضوع
اتّبعَ أصحابُ هذا الاتّجاهِ طريقةَ القدماءِ في نظمِ الشّعرِ، وساروا على نهجِهم، وحافظوا على التّقاليدِ الموروثةِ؛ فتجلّتْ أشعارُهم محاكيةً أشعارَ الجاهليّينَ والإسلاميّينَ، وإنْ كانَ ذلكَ معَ بعضِ…
الدّرسُ الثّاني: تيّاراتُ الشّعرِ العبّاسيِّ بينَ المحافَظةِ والتّجديدِ
هل كلُّ شاعرٍ يبدأ قصيدته عاشقًا؟
يقولُ أبو الطّيّبِ المتنبّي: إذا كانَ مَدْحٌ فالنَّسيبُ المُقدَّمُ أَكُلُّ فصيحٍ قالَ شِعرًا مُتَيَّمُ؟
أبيّنُ رأيي في مضمونِ هذا البيتِ.
الشاعر العباسي بين ثقل التراث وواقع متغيّر
- وقفَ الشّاعرُ العبّاسيُّ بينَ ثِقَلِ تراثٍ شعريٍّ عريقٍ، وواقعٍ متغيّرٍ.
- التّراثُ: تجسّدَ في عمودِ الشّعرِ العربيِّ بمعاييرِهِ الفنّيّةِ الصّارمةِ.
- الواقعُ: متغيّرٌ يطالبُ الشّاعرَ بالتّعبيرِ عن همومٍ جديدةٍ وبرؤيةٍ فنّيّةٍ مختلفةٍ.
- كيفَ تعاملَ الشّعراءُ معَ هذا التّحدّي؟ لقد انقسمَ الشّعراءُ في هذا العصرِ إلى تيّارَينِ رئيسَينِ:
- تيّارٌ تقليديٌّ يحافظُ على الموروثِ القديمِ.
- تيّارٌ تجديديٌّ يثورُ على التّقاليدِ ويسعى إلى مواكبةِ روحِ العصرِ.
- تجلّى هذا الصّراعُ الفنّيُّ بوضوحٍ في قضيّةِ المقدّمةِ الطّلليّةِ.
2.1 الاتّجاهُ التّقليديُّ (المحافِظونَ)
المحافظون: ينسجون على نهج القدماء
- تجلّتْ أشعارُهم محاكيةً أشعارَ الجاهليّينَ والإسلاميّينَ، معَ بعضِ التّغييرِ أوِ التّحويرِ الّذي لا يُشوّهُ الأصلَ.
- نظموا في الأغراضِ القديمةِ الموروثةِ من فخرٍ، ورثاءٍ، ومديحٍ، وهجاءٍ، ووصفٍ، وحماسةٍ، وغيرِها.
- كانوا ينسجونَ أشعارَهم في هذهِ الأغراضِ نسجَ الشّعراءِ الأقدمينَ ذاتَهُ.
هل كانَ شعرُهم نسخةً جامدةً عنِ القدماءِ؟
- ليسَ شعرُهم نسخةً جوفاءَ صمّاءَ: جعلوا القصيدةَ التُّراثيّةَ تنبضُ بشخصيّاتِهم.
- لذلكَ يمكنُ القولُ: إنَّ قصائدَهم قصائدُ تقليديّةٌ مُجدِّدةٌ أو مُجدَّدةٌ.
- أهمُّ أعلامِ هذا الاتّجاهِ البُحتريُّ، الّذي فضّلَهُ أنصارُ القديمِ على أبي تمّامٍ الطّائيِّ زعيمِ التّجديدِ.
أتبيّنُ موقفَ الشّعراءِ الجاهليّينَ منَ الاستهلالِ بمقدّمةٍ طلليّةٍ.
2.2 الاتّجاهُ التّجديديُّ (التّحديثُ الشّعريُّ)
التجديديون: ثورة على عمود الشعر
- أرادوا قصيدةً مغايرةً في بنائِها الفنّيِّ، وفي الألفاظِ والموضوعاتِ والأساليبِ.
- أهمُّ شعراءِ هذا التّيّارِ هم الّذينَ عُرفوا بالشّعراءِ المُوَلَّدينَ، ومنهُم أبو نُواسٍ وأبو تمّامٍ.
ثلاثة مواقف من المقدمة الطللية
- لمّا كانَتِ المقدّمةُ الطّلليّةُ محلَّ صراعٍ شديدٍ، انقسمَ الشّعراءُ فيها إلى ثلاثةِ اتّجاهاتٍ:
| الاتّجاهُ | موقفُهُ منَ المقدّمةِ الطّلليّةِ |
|---|---|
| الاتّجاهُ التّقليديُّ المحافظُ | أصرَّ أصحابُهُ على بقاءِ المقدّمةِ الطّلليّةِ واجهةَ القصيدةِ، يسيرونَ فيها على نهجِ السّلفِ، كما أنَّ الممدوحينَ أرادوا أنْ يُمدَحوا بالطّريقةِ التّقليديّةِ ذاتِها |
| الاتّجاهُ الرّافضُ | دعا بعضُ الشّعراءِ إلى التّخلّصِ منَ المقدّمةِ الطّلليّةِ والدّخولِ إلى المقصودِ مباشرةً دونَ تمهيدٍ |
| الاتّجاهُ المُجدِّدُ للمقدّمةِ الطّلليّةِ | تبنّى شعراءُ مجدِّدونَ فكرةَ الاستبدالِ؛ بأَنْ تبقى للقصيدةِ مقدّمةٌ، لكنْ بصيغةٍ أكثرَ انسجامًا معَ روحِ العصرِ وأحداثِهِ |
أبو تمّام يستبدل الربيع بالأطلال
- يُعدُّ أبو تمّامٍ من أبرزِ الثّائرينَ على المقدّمةِ الطّلليّةِ.
- استبدلَ بها وصفَ الطّبيعةِ الحضريّةِ، معبّرًا عن عصرِ المدنيّةِ والاستقرارِ.
- من ذلكَ افتتاحُهُ إحدى قصائدِهِ في مدحِ المعتصمِ بمقدّمةٍ في وصفِ الرّبيعِ، قائلًا:
لماذا جدّد الشعراء العباسيون؟
- لا شكَّ في أنَّ ثمّةَ دوافعَ ألجأتِ الشّعراءَ العبّاسيّينَ إلى التّجديدِ، أبرزُها:
- هاجسُ التّجديدِ لدى الشّعراءِ:
- حرصُهم على أنْ يكونَ شعرُهم مُلبّيًا لخصوصيّتِهم ولعصرِهم.
- رغبتُهم في أنْ يكونَ مغايرًا لشعرِ الآخرينَ، لا مُقلِّدًا أو تابعًا.
- التّغيّراتُ العميقةُ في الحياةِ الاجتماعيّةِ: نتيجةُ الاختلاطِ العرقيِّ والانفتاحِ الحضاريِّ والتّقدّمِ المدنيِّ والعلميِّ.
- الابتعادُ عنِ البداوةِ والصّحراءِ:
- انتقالُ الحياةِ إلى العُمرانِ والتّجارةِ والرّغَدِ والبساتينِ.
- استدعى ذلكَ تجديدَ ثوبِ القصيدةِ؛ ليلائمَ هذهِ الحياةَ الجديدةَ.
أبيّنُ دوافعَ الشّعراءِ العبّاسيّينَ للتّجديدِ الشّعريِّ.