شرح الدرس
الحفاظ على حقوق الأيتام
قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ النساء: 2 - 3.
معاني المفردات والتراكيب
لا تتبدلوا الخبيث بالطيب: لا تستبدلوا الرديء بالجيد. حوباً كبيراً: ذنباً وإثماً عظيماً. تعولوا: تميلوا عن الحق وتجوروا.
■ سبب النزول
نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ النساء: 3 لمعالجة واقع فاسد زمن الجاهلية، حيث كان الأوصياء على اليتيمات يتعدون على حقوقهن، فيتزوجون منهن دون صداق، ودون رضا منهن، ودافعهم إلى ذلك هو أكل مال اليتيمات، فعن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: «يا بن أختي، تلك اليتيمة تكون في حجر وليها، تشارك له ماله، فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها، فيعطيها ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، وأمروا أن ينكحوا غيرهن مما طاب لهم من النساء»(١).
■ أداء حقوق اليتامى
يوجه الله تعالى الخطاب إلى الأولياء والأوصياء ويحثهم على وجوب الحفاظ على حقوق الأيتام، وأن يعطوا الأيتام حقوقهم التي ائتمنوا عليها عندما يبلغون سن الرشد، بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ النساء: 2، ومعنى آتوا: أي أعطوا، واليتامى: جمع يتيم وهو من فقد والده عند الصغر، فإذا بلغ زالت عنه.
١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب شركة اليتيم وأهل الميراث. صفة اليتيم، قال ﷺ: «لا يتيم بعد احتلام»(١)، فإذا ترك الوالد مالاً فقد أوجب الله حفظ ماله بأن أقام عليه وصياً أو ولياً، يحفظ ماله وينميه، وينفق منه على اليتيم، وتبقى ولاية الوصي على مال اليتيم حتى سن الرشد، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ النساء: 6.
ونهت الآية الكريمة الأوصياء على اليتامى وحذرتهم من أمرين: الأول: استبدال أموال اليتامى أو جزء منها، بأن يستبدل الوصي الرديء منها بالجيد، فيعطي اليتيم بدل ماله مالاً رديئاً غير جيد، كأرض أو أنعام أو غيره، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ النساء: 2، والخبيث من المال ما كان رديئاً أو قليل المنفعة والفائدة، وهذا يعني إعطاء اليتيم عين ماله دون تبديل أو تغيير.
الثاني: ضم مال اليتيم إلى ماله أو خلط مال اليتيم بمال الوصي رغبة في أكلها والسيطرة عليها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ النساء: 2، والمعنى: لا تخلطوا مال اليتيم بأموالكم فتأكلوها. وحرف الجر (إلى) متعلق بمحذوف في موضع حال منصوب، والمعنى: لا تضموها إليها في الإنفاق رغبة في أكلها، فإن فعلتم ذلك فقد ارتكبتم إثماً عظيماً، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ النساء: 2، والضمير في أنه يعود إلى أكل مال اليتيم، ومعنى حوباً كبيراً؛ أي ذنباً عظيماً وإثماً كبيراً.
فاليتيم يحتاج إلى الرعاية والحماية لشدة ضعفه وعدم قدرته على التصرف بماله، فاحذروا من ظلمه والتعدي على ماله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ النساء: 10.
وقد يتساءل البعض في عدم جواز خلط مال اليتيم بمال الوصي من أجل تنميته واستثماره في مشاريع مجدية ونافعة. فالجواب: إن كان في ضم مال اليتيم وخلطه بمال الوصي تحقيق مصلحة مشروعة، فلا بأس بذلك شريطة التوثيق والإشهاد من أهل الأمانة والتقوى مخافة أن يضيع مال اليتيم، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ البقرة: 220.
١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب شركة اليتيم وأهل الميراث.
■ حكم تعدد الزوجات
بينت الآية الكريمة أن الله تعالى أباح تعدد الزوجات ولم يوجبه، وقيده بقيود وشروط هي: ١ قيد إباحة التعدد بأربعة زوجات بعد أن كان التعدد زمن الجاهلية غير مقيد بعدد أو شرط، فكان الرجل يجمع ما شاء من النساء، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن غيلان بن أمية الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ: «اختر منهن أربعاً»(١). ٢ العدل بين النساء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ النساء: 3؛ أي إن خفتم عدم العدل بين النساء فاقتصروا على واحدة فقط، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ النساء: 3 أي أن الاقتصار على واحدة حال الخوف من عدم العدل أقرب إلى عدم الجور والظلم، والعدل المطلوب هنا هو العدل في النفقة والمعاملة والمعاشرة الزوجية، أما الميل القلبي فليس من العدل؛ لأنه فوق قدرة الإنسان، وقد كان النبي ﷺ يميل إلى عائشة رضي الله عنها أكثر من غيرها من النساء، وكان يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»(٢). ٣ القدرة على الإنفاق، ذلك أن القدرة على الإنفاق على الزوجات حالة التعدد يؤدي إلى الظلم والجور، وقد أخذ العلماء هذا الشرط من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ النساء: 3؛ لأن معنى تعولوا: من العول وهو الفقر، قال الإمام الشافعي: إن الاقتصار على الواحدة أقرب إلى العدل حال الخوف من عدم القدرة على الإنفاق؛ لأن التعدد يكثر عيالكم، فتعجزون عن الإنفاق عليهم فتقعون في الظلم والجور.
■ حكمة تعدد الزوجات
إن إباحة تعدد الزوجات مسألة اقتضتها ظروف الحياة والمجتمع، وهي ليست تشريعاً جديداً جاء به الإسلام، إنما هو تشريع قديم جاء الإسلام لتنظيمه وتقييده بقيود وشروط تحقق مصلحة الرجل والمرأة والمجتمع على السواء، وتظهر الحكمة من ذلك في أمور عديدة، منها: ١ تعدد الزوجات يعالج مشكلة اختلال التوازن في المجتمع، ونقصد به: زيادة عدد النساء عن عدد الرجال، والمرأة في هذه الحال إما أن تبقى دون زوج ودون رعاية فيقع عليها الظلم، وتحرم من إشباع غريزة الأمومة والحنان والعطف، وتشبع غرائزها بالانحراف والانحلال عن طريق الزنا، ولا يخفى عليكم المضار والمفاسد الناتجة عن انتشار الفاحشة والرذيلة على الأسرة والمجتمع بأسره، فجاء الإسلام بهذا التشريع لعلاج هذه المشكلة. ٢ فطر الله تعالى النفس البشرية على حب الولد، فماذا يصنع الزوج إن كانت امرأته عاقراً لا تلد؟ فالبعض قد يصبر، والبعض إذا رأى أن التشريع يحرمه من إشباع فطرته وحبه للولد، كره زوجته ورأى أنها سبب شقائه فيقوم بتطليقها، فأيهما أفضل للمرأة أن تظل في عصمة زوجها مع زوجة أخرى محتفظة بحقوقها أو أن تعيش بغير زوج؟ ٣ قد تصاب المرأة بمرض مزمن لا تستطيع معه أن تقوم برعاية زوجها وتأدية حقوقه، فأيهما أفضل للمرأة في هذه الحال أن تطلق في وقت هي أحوج فيه إلى مَن يرعاها ويقوم على شؤونها، أم أن تعيش مع امرأة أخرى؟
■ ما ترشد إليه الآيتان
١ الحفاظ على حقوق الأيتام، وإعطاؤهم حقهم في المال عندما يبلغون سن الرشد. ٢ عدم تعدي الأولياء على أموال اليتامى، بأخذها وضمها إلى أموالهم أو تبديلها وإعطاء اليتامى الرديء منها. ٣ حرص الأولياء على اليتيمات وعدم الطمع في أموالهن، أو الإقدام على الزواج بهن من أجل أكل حقوقهن، أو دون إعطائهن حقهن من الصداق. ٤ أباح الإسلام تعدد الزوجات وقيده بأربع، واشترط القدرة على الإنفاق وتحقيق العدل بينهن في النفقة والمعاشرة والمعاملة بالمعروف.
■ أوجه البلاغة
اشتملت الآية الكريمة على المجاز المرسل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾؛ أي الذين كانوا يتامى، فهم عند إعطائهم المال يكونون قد بلغوا سن الرشد وليسوا بأيتام، والتعبير باليتامى مجاز مرسل، فقد ذكر ما كانوا عليه حين فقدوا الوالد وهم صغار، وأراد بما سيكونون عليه من بلوغ سن الرشد.
■ أحكام المد اللازم
- المد اللازم: هو أن يأتي بعد حرف المد سكون أصلي، وينقسم إلى قسمين: الحرفي والكلمي.
■ أولاً: المد اللازم الحرفي:
- يختص هذا النوع من المد بفواتح بعض السور التي تبدأ بحروف مقطعة مثل (ألم)، (طسم). وهو:
أن يقع بعد حرف المد سكون أصلي في حروف فواتح السور. حكمه: أن يمد مداً لازماً بمقدار ست حركات وجوباً.
ويقسم هذا النوع من المد إلى قسمين
الأول: المد اللازم الحرفي المخفف: وهو أن يقع بعد حرف المد سكون أصلي في فواتح السور، ومثاله: (ق) تقرأ (قاف). و(ن) تقرأ (نون). الثاني: المد اللازم الحرفي المثقل: وهو أن يقع بعد حرف المد حرف مدغم (مشدد)، مثل: (ألم) تقرأ (ألف لام ميم)، بحيث تدغم الميم الساكنة الأولى إدغاماً شفوياً في الميم الثانية المتحركة، وتمد بمقدار ست حركات وجوباً، فتصير (ألف لام ميم)، و(طسم) تقرأ (طا سين ميم) بحيث تدغم النون الساكنة مع الميم وتصير (طا سيم ميم). وتجدر الإشارة إلى أن سبب الشدة في المثالين هو الإدغام، ولم يقع المد اللازم المثقل إلا في هذين الموضعين.
■ ثانياً: المد اللازم الكلمي، ويقسم هذا النوع إلى قسمين: الأول: المد اللازم الكلمي المثقل: إذا أتى بعد حرف المد في الكلمة حرف مشدد، ومثاله: «الضَّالِّين»، «الحَاقَّة». الثاني: المد اللازم الكلمي المخفف: إذا أتى بعد حرف المد في الكلمة حرف ساكن أصلياً، وكان غير مشدد، ومثاله: «الآن». ويمد اللازم الكلمي بنوعيه بمقدار ست حركات وجوباً.
التقويم
١ أتلو الآيتين الكريمتين ٢، ٣ غيباً. ٢ أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي: أ ( ) لا يجيز الإسلام للوصي أن يتزوج باليتيمة التي هو وصي عليها حتى لو كان بإرادتها ومنحها صداقها كاملاً. ب ( ) تعدد الزوجات واجب وليس مباحاً. ج ( ) لم يقيد الإسلام جواز التعدد بقيد أو شرط. د ( ) معنى (حوباً كبيراً)؛ أي إثماً وذنباً عظيماً. ٣ ما سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ النساء: 3. ٤ ما المقصود بقوله تعالى فيما يأتي: أ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ النساء: 2. ب قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ النساء: 3. ج قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ النساء: 2. ٥ ما الحكمة من إباحة تعدد الزوجات؟ ٦ ما الشروط الشرعية التي حددها الشرع لتعدد الزوجات؟ ٧ أتلو الآيات الكريمة الآتية، وأستخرج منها أحكام المد الحرفي: أ قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ق: 1. ب قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ مريم: 1. ج قوله تعالى: ﴿حم (1) عسق﴾ الشورى: 1 - 2. د قوله تعالى: ﴿طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ الشعراء: 1 - 2. هـ قوله تعالى: ﴿المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الأعراف: 1 - 2. و قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ يونس: 1.