شرح الدرس
من أحكام ملك اليمين
قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾ النساء: 25 - 28.
معاني المفردات والتراكيب:
- طولاً: سعة وغنى.
- المحصنات: الحرائر.
- فتياتكم: الإماء.
- غير مسافحات: عفيفات غير زانيات.
- ولا متخذات أخدان: أصدقاء يستترون بالزنا.
- العنت: مخافة الوقوع في الزنا.
- الميل: العدول عن الحق إلى الباطل.
شروط جواز نكاح الإماء:
بينت الآيات الكريمة أن الزواج الشرعي من الحرائر المؤمنات هو الذي يحفظ سعادة الأسرة واستقرارها. وفي هذه الآيات رخص لعباده المؤمنين الزواج من الإماء المؤمنات بشرطين، هما:
- عدم الاستطاعة على نكاح الحرة؛ لعدم القدرة على توفير مهرها ونفقتها، قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ النساء: 25. ومعنى طولاً من الطول،
وهو الغنى والسعة في المال والقدرة. والمعنى: مَن لم يستطع منكم أن يكون ذا سعة من المال تمكنه من نكاح الحرائر المؤمنات، فلينكح الإماء المؤمنات، قال تعالى: ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ النساء: 25، ومعنى ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي الإماء المؤمنات، والتعبير بـ (فتياتكم) يدل على تكريم الإسلام للإماء، فقد كان العرب يطلقون عليها عبدة، فنهى النبي ﷺ بقوله: «لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل فتاي وفتاتي»(1)، ويعد هذا التعبير من الأدب القرآني في تعلم أساليب الخطاب والحديث.
- الخوف من الوقوع في الزنا، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ النساء: 25، والعنت: الإثم، والمعنى: أن الله أباح نكاح الإماء لِمَن خاف من الوقوع في الزنا، والصبر في هذه الحال خير من زواج الأمة؛ لأن مثل هذا الزواج لا يدوم، وربما غير الولد بأمه في المستقبل.
ومما تجدر الإشارة إليه أن ظاهرة الإماء غير موجودة في المجتمعات الحالية، وقد كان للتشريعات التي جاء بها الإسلام الفضل الكبير في الحد من هذه الظاهرة.
موافقة الولي على زواج الأمة:
بين الله تعالى في هذه الآيات الكريمة أن هؤلاء الإماء المؤمنات لهن حقوق، وربما كانت بعض الإماء أفضل من الحرائر، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ النساء: 25، وقوله: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ النساء: 25 أي متصلون في الأنساب من أصل آدم، ويجمعكم الإيمان بكتاب واحد ونبي واحد. والنكاح من الإماء لا يعني حرمانهن من حقوقهن، قال تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ النساء: 25 أي بموافقة أوليائهن، وإعطائهن حقهن من المهر عن طيب نفس، قال تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ النساء: 25. ومعنى قوله تعالى: ﴿مُّحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ النساء: 25 أي عفيفات غير مجاهرات بالزنا، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ النساء: 25 أي غير متسترات بالزنا مع الأصحاب والأصدقاء. يقال: امرأة ذات خدن؛ أي تزني سراً.
عقوبة الأمة الزانية:
راعى الإسلام عقوبة الأمة المتزوجة إذا زنت، فقرر أن عقوبتها نصف حد المرأة الحرة غير المتزوجة، وهو خمسون جلدة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ النساء: 25، ومعنى فإذا أحصن؛ أي تزوجن. قاله ابن عباس، ومجاهد، والشافعي،
---
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الألفاظ من الأدب، باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة.
وغيرهم. ومعنى ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ النساء: 25؛ أي نصف عقوبة الحرائر الأبكار؛ أي نصف عقوبة الحرائر المتزوجات الرجم. والحكمة في كون عقوبة الأمة نصف عقوبة الحرة هي تقدير الوضع النفسي للأمة، فهي أضعف من المرأة الحرة، وأقل مقاومة منها لإغراء المال، وتقدير قيمة الشرف والحفاظ على العرض؛ فكانت عقوبتها أقل. ومعنى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ النساء: 26 أي ما خفي عليكم من الخير والصلاح، وما يحل ويحرم، ويريد أن يكشف لكم حكمه وتشريعاته التي فيها الخير للفرد والأسرة والمجتمع. ومعنى قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ النساء: 26 أي يرشدكم إلى طرائق الأنبياء والصالحين ومناهجهم؛ لتقتدوا بهم، ويتوب عليكم فيما اقترفتموه من الإثم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النساء: 26 أي عليم بأهوائكم، حكيم فيما شرع لكم من الأحكام.
حكمة تكرار التوبة في الآيات:
كرر الله تعالى ذكر التوبة بقوله: ﴿وَيَتُوبُ عَلَيْكُمْ﴾ النساء: 26، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ النساء: 27 للتأكيد على سعة رحمته بعباده، فالله سبحانه يحب أن يطهركم من الذنوب والآثام، ويريد لعباده أن يسارعوا إلى التوبة. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ النساء: 27 فيه تحذير للمؤمنين من اتباع أصحاب الأهواء والشهوات. والمعنى: إن الفجرة من اتباع الشيطان يريدون أن تعدلوا عن منهج الحق إلى الباطل، فتكونوا فسقة فجرة مثلهم، وهم يريدون القضاء على القيم الفاضلة في حياتكم ومجتمعاتكم وأسركم.
التيسير على العباد:
بين الله تعالى في الآيات الكريمة أن من خصائص منهج الإسلام وشريعته التيسير على عباده، فالله تعالى بما شرع من الأحكام لا يريد الحرج ولا المشقة، إنما يريد التيسير ورفع الحرج، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ النساء: 28، ومظاهر التيسير على العباد في التشريع الإسلامي كثيرة، منها:
- الرخص الشرعية في العبادات، كالجمع والقصر في الصلاة للمسافرين، وإباحة الإفطار في رمضان للشيخ والمريض، وغيرها من الرخص.
- أن ما كلف الله تعالى عباده من الأحكام هي في مقدور الإنسان، فلا يوجد تكليف فوق طاقة الإنسان وقدرته، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الحج: 78.
التقويم
- الترغيب في نكاح الحرائر المؤمنات العفيفات.
- من خصائص التشريع الإسلامي التيسير على الناس.
- التشريعات الربانية تهدف إلى تحقيق الخير والسعادة في الدنيا والآخرة للفرد والأسرة والمجتمع.
- الإنسان كائن ضعيف ويحتاج إلى تربية إيمانية؛ لتقوية إرادته للتغلب على أهوائه وشهواته.
- باب التوبة مفتوح للإنسان، والله يحب توبه عبده، ويغفر له ذنوبه.
- تحذير المسلم من اتباع أصحاب الأهواء والشهوات؛ لأنهم يريدون إضلاله وإفساده وإبعاده عن منهج الحق.
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
- ( ) استعمال القرآن لفظ { فَنِيَّتِكُم } في حق الإماء دليل تكريم.
- ( ) معنى { وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } غير متسترات بالزنا.
- ( ) في حال وجود الإماء في المجتمع لا يشترط في الزواج بهن أي شرط.
- ( ) عقوبة الأمة الزانية مثل عقوبة الحرة.
- أوضح معنى قول الله تعالى: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } النساء: ٢٥.
- ما معنى قوله تعالى: { ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ } النساء: ٢٥؟
- ما المقصود بقوله تعالى: { وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } النساء: ٢٥؟
- أبين الحكمة من تكرار الحديث عن التوبة في الآيات.
- أذكر اثنين من أهم مظاهر التيسير على العباد في التشريع الإسلامي.
- أستخرج من آيات الدرس ما يأتي:
- إدغام بغنة. ■ إدغام بغير غنة. ■ إظهار شفوي.
- إظهار. ■ إخفاء. ■ قلقلة.