شرح الدرس
عقوبة ارتكاب الفاحشة في أول الإسلام (تفسير وحفظ)
قال تعالى: ﴿وَالَّلاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (16)﴾ النساء: 15 - 16.
المفردات والتراكيب:
- الفاحشة: الفعلة القبيحة، والمراد بها هنا: الزنا.
- أربعة منكم: أي أربعة رجال من المسلمين.
- أمسكوهن في البيوت: أي احبسوهن في البيوت لا يخرجن.
عقوبة ارتكاب الفاحشة أول الإسلام:
قامت للمسلمين دولة في المدينة تنظم حياتهم وتحكمهم بشريعة الله وترعى شؤونهم، بعد أن غرست في نفوسهم العقيدة القوية والأخلاق الفاضلة، وهذه الآيات تتحدث عن تطهير المجتمع المسلم وتنظيفه من الفاحشة، وعزل مَن يرتكبها من النسوة، وإبعادهن عن المجتمع متى ثبت عليهن ارتكاب جريمة الزنا. ولم تبين الآيات في سورة النساء حد الزنا، ثم جاء بيان ذلك في سورة النور وفي السنة الشريفة، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ النور: 2، وهذا حد البكر الزاني أو الزانية. أما حد الثيب فقد جاء بيانه في السنة النبوية على أنه الرجم.
والمراد من هذه العقوبات صيانة المجتمع من التلوث والمحافظة عليه عفيفاً نظيفاً شريفاً.
اختلف المفسرون في معنى هذه الآية على قولين
الأول: أن المراد بها الزانيان، فهي فاحشة الزنا، وعلى هذا جمهور المفسرين. الثاني: أن المراد بها اللذان يمارسان فاحشة اللواط. والأرجح هو القول الأول؛ لأمرين:
- القول الأول هو قول جمهور المفسرين، وعليه أكثر العلماء.
- أنه لم يتقدم للواط ذكر في الآية، ولم يُصرّح به في الآية، وأما تذكير (اللذان) فهو من باب التغليب.
التشديد في إثبات الجريمة:
طلب الإسلام لإثبات هذه الجريمة شهادة أربعة رجال عدول من المسلمين يشهدون أنهم رأوا وقوع الجريمة ممن ارتكبها رأي العين، قال تعالى: ﴿وَالَّلاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ النساء: 15، والمراد بقوله: ﴿مِن نِّسَائِكُمْ﴾ أي المسلمات، والمراد بقوله: ﴿مِن رِّجَالِكُمْ﴾ أي المسلمون، فالإسلام لا يستشهد على المسلمات حال يقعن في الخطيئة رجالاً غير مسلمين، بل لا بد من أربعة رجال مسلمين، ولا تجوز في هذا الأمر شهادة غير المسلم؛ لأنه غير مأمون على عرض المسلمة.
عقوبة هذه الجريمة عقوبة مؤقتة:
معنى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾: لا يختلطن بالمجتمع حتى لا يلوثنه، ولا يتزوجن، ولا يزاولن نشاطاً. ومعنى: ﴿حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾: ينتهي أجلهن وهن على هذه الحال من الحبس في البيوت. ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: فيغير عقوبتهن أو يتصرف في أمرهن بما يشاء؛ ما يُشعر أن هذا ليس هو الحكم النهائي الدائم، وإنما هو حكم لفترة معينة، ثم يصدر حكم دائم ثابت، وهذا هو الذي وقع بعد ذلك، فتغير الحكم وبقي شرط ثبوت الجريمة كما هو: شهادة أربعة رجال عدول زيادة في التثبت في وقوع الجريمة أو بإقرار مرتكب الجريمة أنه اقترفها ووقع فيها. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «خذوا عني. خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم»(1). ولما رجم رسول الله ﷺ ماعزاً والمرأة الغامدية بعد ارتكابهما فاحشة الزنا ولم يجلدهما، دلّت سنته العملية أن الرجم دون الجلد هو الحكم الذي استقر أخيراً، والله أعلم.
---
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب حد الزنا.
الحكمة من اشتراط أربعة شهود لإثبات الزنا:
نظراً لعظيم خطر جريمة الزنا وما يتعلق بها من آثار عظيمة على الفرد والمجتمع، فقد احتاط الشرع احتياطاً شديداً في إثباتها، ووضع شروطاً دقيقة لترتيب العقوبة عليها، فلم يثبتها إلا بأحد أمرين:
- الاعتراف الصريح من المتهم.
- شهادة أربعة شهود على أنهم رأوا حصول الزنا.
والحكمة من هذا التشدد في إثبات الجريمة واشتراط أربعة شهود هي:
- كون الزنا من أغلظ الفواحش وأخطرها، فغلّظت الشهادة فيه؛ ليكون أستر على الناس.
- الدلالة على أن معيار العقوبة هو اعتبار أن الفعل قد تم أمام المجتمع جهراً وعلانية، وفي ذلك إشاعة للفاحشة والفساد، وعدوان على حرية الآخرين، وتعريض لهم لمفاسد المنحرفين، والله سبحانه وتعالى لا يحب الجهر بالسوء.
ما ترشد إليه الآيتان:
- كانت عقوبة مَن ارتكبت جريمة الزنا أول الأمر الحبس في البيت وعدم الخروج منه حتى تموت.
- ما استقر عليه الأمر في عقوبة الزنا هو جلد الزاني البكر ورجم الزاني المحصن ذكراً كان أو أنثى.
- يحرص الإسلام على نظافة المجتمع وعفته وطهارته؛ لذلك شدد في عقوبة جريمة الزنا.
التقويم
- أتلو الآيتين الكريمتين 15-16 غيباً.
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
- أ. ( ) المراد بالفاحشة في الآية جريمة السرقة.
- ب. ( ) تثبت جريمة الزنا بشهادة رجلين عدلين وامرأتين.
- ج. ( ) ما استقر عليه الأمر في عقوبة الزاني جلد البكر ورجم الثيب رجلاً كان أو أنثى.
- د. ( ) معنى (فآذوهما)؛ أي وبخوهما وعيروهما.
- أبين عقوبة الزانية في أول الإسلام.
- اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ النساء: 16. أوضح ذلك.
- أستخرج من آيات الدرس الأحكام الآتية:
- مد متصل.
- مد بدل.
- إدغام بغنة.
- إخفاء حقيقي.