شرح الدرس
النهي عن أكل المال بالباطل وعن قتل النفس
قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) } النساء: ٢٩ - ٣١.
المفردات والتراكيب:
- الباطل: الحرام، كالربا والسرقة.
- مدخلاً كريماً: أي مكاناً كريماً، وهو الجنة.
الأمر بالكسب الطيب والنهي عن الكسب الحرام:
نهى الله سبحانه عباده المؤمنين أن يأكل بعضهم أموال بعض بالباطل؛ أي بأنواع المكاسب المحرمة من السرقة والخيانة والغصب والقمار والربا وغير ذلك مما حرمه الله سبحانه ونهى عنه، أما ما كان بطريق شرعي شريف، كالتجارة إذا كانت برضا البائع والمشتري فقد أحلها الله، قال رسول الله ﷺ: «إنما البيع عن تراض»(١). قال الإمام ابن كثير في قوله تعالى: { إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ } النساء: ٢٩: «الاستثناء منقطع؛ أي لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري؛ فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال». ومعنى الاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه؛ فالتجارة ليست من أكل أموال الناس بالباطل، وذلك مثل قوله تعالى: { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ } الحجر: ٣٠ - ٣١، وإبليس ليس من الملائكة.
النهي عن قتل النفس:
بعد أن نهى الله عن أكل أموال الناس بغير حق، نهى أيضاً عن قتل النفس، فقال: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } النساء: ٢٩ أي لا يسفك بعضكم دم بعض، ولا يقتل أحدكم أخاه. وعبر عن ذلك بقتل النفس، فقال: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } النساء: ٢٩ للمبالغة في الزجر والنهي عنه، فمن قتل أخاه فكأنما قتل نفسه، كما قال: { وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ } الحجرات: ١١، فالمسلمون كنفس واحدة من اعتدى على غيره فكأنما اعتدى على نفسه. وهذا في قتل النفس بغير حق، أما إن كان القتل بحق، بأن يرتكب المسلم ما يوجب قتله فلا حرج في قتله، قال تعالى في صفة عباد الرحمن: { وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ } الفرقان: ٦٨. ومن قتل النفس بالحق ما أخبر به رسول الله ﷺ بقوله: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة»(١). وفي قوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } نهي عن الانتحار بأن يقوم المسلم بقتل نفسه، وقد قال ﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ»(٢).
النهي عن قتل النفس بغير حق يدل على أمرين:
- رحمة الله بعباده وتلطفه بهم، حتى لا يحل الفساد والفوضى في المجتمع.
- تكريم الله تعالى للنفس الإنسانية، والحث على وجوب صيانتها، والمحافظة عليها، وعدم التعدي عليها بالقتل أو الإيذاء. وقد ورد عن ابن عمر أنه نظر يوماً إلى الكعبة فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك!، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك»(٣).
التحذير من القتل العمد:
قال تعالى: { وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } النساء: ٣٠ أي ومن يرتكب ذلك مما نهى الله عنه من أكل أموال الناس بالباطل وقتل النفس معتدياً ظالماً ليس سهواً أو خطأ، فسوف ندخله ناراً حامية يصلاها ويحترق فيها، وهو أمر يسير على الله هين عليه؛ لأنه تعالى لا يعجزه شيء، وقد قال تعالى: { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } النساء: ٩٣. ونلاحظ في هذا العصر أنه نتيجة لابتعاد الناس عن منهج الله وهديه فإنهم قد تهاونوا في القتل العمد، فأصبحنا نلاحظ وجود جرائم القتل بكثرة لأتفه الأسباب؛ ما يدل على مدى استهانتهم بحرمة النفس البشرية وكرامتها، واستهانتهم بتعاليم دينهم.
اجتناب كبائر الذنوب يكفر صغائرها:
قال تعالى: { إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا } النساء: ٣١ أي إن تتركوا -أيها المؤمنون- الذنوب الكبيرة التي نهى الله عز وجل عنها، نغفر لكم صغائر الذنوب، ونمحها عنكم بفضلنا ورحمتنا، قال تعالى: { وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا } النساء: ٣١ أي ندخلكم الجنة دار الكرامة والنعيم التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
معنى الكبيرة:
قال ابن عباس رضي الله عنه: الكبيرة: كل ذنب توعد الله عليه بالنار أو الغضب أو اللعنة أو العذاب. عن سعيد بن جبير قال لابن عباس: «الكبائر سبع؟ قال هي إلى السبعمائة أقرب، ولكن لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار»؛ أي أن الذنب الكبير يغفره الله بالتوبة وكثرة الاستغفار، بينما يزداد إثم الذنب الصغير بالإصرار عليه والدوام على فعله، وقد قال ﷺ: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»(١)، وقد ورد في بعض الأحاديث ذكر عدد من الكبائر، منها:
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»(٢).
- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس»(٣).
ما ترشد إليه الآيات:
- النهي عن الكسب الحرام بجميع أنواعه من السرقة والخيانة والربا والقمار.
- الترغيب في التجارة؛ لأنها كسب حلال طيب إذا التزم المسلم فيها تقوى الله تعالى.
إدغام الحروف
١. الإدغام: هو إدخال حرف ساكن في حرف متحرك يأتي بعده بحيث يصبحان حرفاً واحداً مشدداً من جنس الثاني، وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
- أ. إدغام المتماثلين: وهو أن يتفق الحرفان مخرجاً وصفة، مثل: { وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ }، { اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ }، { فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ }، { ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا }، { أَذْهَب تُّمُكِّنِي هَٰذَا }.
- ب. إدغام المتجانسين: وهو أن يتفق الحرفان مخرجاً ويختلفان في بعض الصفات، مثل: { قَد تَّبَيَّنَ }، { عَبَدتُّم }، { إِذ ظَّلَمُوا }، { قَالَت طَّائِفَةٌ }، { ارْكَب مَّعَنَا }، { يَلْهَث ذَّٰلِكَ }، { أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا }، { بَسَطتَ }، { فَرَّطتَ }.
نقلب الحرف الأول مثل الحرف الثاني تماماً ويسمى إدغاماً كاملاً، إلا في الكلمتين الأخيرتين (بسطت) و(فرطت) فيسمى إدغاماً ناقصاً، وتلفظ الكلمات السابقة كما يأتي: (قتبين)، (عبتم)، (اظلموا)، (قاطائفة)، (اركمعنا)، (يلهذلك)، (أجيبدعوتكما)، أما المثالان الأخيران فإنه يلفظ شيء قليل من حرف الطاء فيهما دون قلقلة.
- ج. إدغام المتقاربين: وهو أن يتقارب الحرفان في المخرج، ويختلفا في بعض الصفات، مثل: { بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ }، { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا }، { نَخْلُقكُّم }، وهنا أيضاً نقلب اللام في المثالين الأولين لتكون راء فتلفظ الأمثلة كما يأتي: (برفعه)، (وقرب)، ويسمى إدغاماً كاملاً، أما المثال الأخير فيجوز أن يكون إدغاماً كاملاً هكذا: (نخلكم)، ويجوز أن يكون ناقصاً فيلفظ شيء قليل من حرف القاف دون قلقلة.
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
- ( ) الكسب ينبغي أن يكون شرعياً شريفاً لا حرمة فيه.
- ( ) البيع لا دخل فيه لإرادة المتبايعين، فلو حصل بالإكراه فهو جائز.
- ( ) قوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } مقصود به الانتحار فقط.
- ( ) القصاص بقتل القاتل عمداً جائز؛ لأنه ليس ظلماً ولا عدواناً.
- ( ) من اجتنب صغائر الذنوب غفر الله له كل ذنب عمله.
- أبين الحكمة من التعبير في قوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } مع أن القاتل قد يكون قاتلاً لغيره.
- أبين معنى الاستثناء في قوله تعالى: { إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ } النساء: ٢٩.
- أبين معيار الكبيرة حسب ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه.
- أذكر حديثاً نبوياً اشتمل على بعض الكبائر.
- أبين أحكام الإدغام في الكلمات التي تحتها خطوط في الآيات الآتية:
- قوله تعالى: { وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا } الحجرات: ١٢.
- قوله تعالى: { بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } الأنبياء: ٥٦.
- قوله تعالى: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ } النساء: ٧٨.
- قوله تعالى: { يَلْهَث ذَّٰلِكَ } هود: ٤٢.
- قوله تعالى: { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّم } الكافرون: ٤.
- قوله تعالى: { وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا } المدثر: ١٤.
- قوله تعالى: { إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا } آل عمران: ١٢٢.