شرح الدرس
المحرمات من النساء
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (23)﴾ النساء: 22 - 23.
المفردات والتراكيب:
- سَلَفَ: مضى.
- مَقْتًا: ممقوتاً ومبغوضاً.
- سَاءَ سَبِيلًا: بئس ذلك طريقاً.
- ربائبكم: جمع ربيبة، وهي بنت الزوجة تعيش في بيت زوج أمها.
- حلائل أبنائكم: زوجات أبنائكم.
سبب النزول:
أورد المفسرون عدة روايات في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ النساء: 22. ومنها ما رواه ابن أبي حاتم عن رجل من الأنصار قال: لما توفي أبو قيس-يعنس بن الأسلت-وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولداً لي وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ وأستأمره، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا قيس توفي. فقال: خيراً. ثم قالت: إن ابنه قيساً خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولداً لي، فماذا ترى؟ فقال لها: ارجعي إلى بيتك، فنزلت: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ النساء: 22.
حرمة نكاح زوجة الأب:
حرّم الله تعالى في هذه الآية الكريمة على الابن نكاح زوجة أبيه بقوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ النساء: 22. قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسيره هذه الآية: «كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل بها فهي عليك حرام»، والمراد أنكم تستحقون العقاب لنكاحكم ما نكح آباؤكم إلا ما مضى قبل نزول الآية فهو مغفور عنه، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ النساء: 22، إن هذا النكاح كان فاحشة يأباها العقل ويمقتها في الشرع وساء سبيلاً، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ النساء: 22.
وقد شدد الله تعالى على تحريم هذا النوع من النكاح بوصفه بثلاث صفات: أولها: أنه فاحشة؛ لأن زوجة الأب تشبه الأم، فمباشرتها من أفحش الفواحش. ثانيها: المقت: وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار. ثالثها: قوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وقوله ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ ... إلخ النساء: 22 معطوف على قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ النساء: 19. وما في قوله: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ النساء: 22 اسم موصول بمعنى التي نكح آباؤكم.
لماذا خص هذا النوع من النكاح بالنهي؟
خص الله تعالى هذا النوع من النكاح بالنهي مبالغة في الزجر عنه، حيث كان ذلك عادة لهم في الجاهلية.
ما المراد بالآباء؟
المراد بهم: كل الأصول من الرجال؛ أي تشمل الأجداد جميعاً، سواء أكانوا من جهة الأب أم من جهة الأم.
معنى الاستثناء الوارد في الآية:
الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناء منقطع؛ والمعنى: لا تنكحوا -أيها المؤمنون- ما نكح آباؤكم من النساء؛ لأنه من أفعال الجاهلية القبيحة، أما ما قد سلف ومضى منه قبل نزول هذه الآية فلا تؤاخذون عليه، فمن كان متزوجاً من امرأة كانت زوجة لأبيه من النسب أو من الرضاع، فإنها تصير حراماً عليه من وقت نزول الآية الكريمة، ويجب عليه أن يفارقها، أما ما مضى من هذا النكاح القبيح فلا حرج عليكم فيه، وتثبت به أحكام النكاح من النسب وغيره من الأحكام.
حكم هذا النكاح:
أجمع العلماء على أن هذا النوع من النكاح -إن وقع بعد نزول الآية- فهو باطل، ويجب التفريق بين الزوجين، ولا يترتب عليه أي أثر من المهر والعدة والنسب وغيرها.
أنواع المحرمات:
قسم العلماء المحرمات إلى قسمين:
القسم الأول: محرمات حرمة مؤبدة، وهن:
- المحرمات بسبب القرابة، وهن الأمهات وإن علون، فتحرم على الرجل أمه وجدته، سواء أكانت من جهة الأب أم من جهة الأم؛ لأنه إذا كان يحرم نكاح العمة أو الخالة فمن الأولى أن يكون نكاح الجدة محرماً، إذ الأم هي طريق الوصول في القرابة إلى هؤلاء.
- البنات وإن نزلن، وهن يشملن بنات الصلب وبنات الأبناء.
وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ بالعطف على أمهاتكم؛ أي حرّم الله عليكم نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم.
- الأخوات وإن نزلن، فقد حرّم الله تعالى نكاح الأخوات، سواء كن شقيقات أو لأب أو لأم.
- بنات الإخوة وبناتهن، وإن نزلن.
- بنات الأخوات، وإن نزلن.
- العمات والخالات القريبة والبعيدة، كعمة الأب وخالة الأم.
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ النساء: 23.
الحكمة من تحريم هذه الطوائف:
يتناسب هذا التحريم مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ويتفق مع العقول السليمة التي تحب مكارم الأخلاق؛ لأن شريعة الإسلام قد نوهت بمنزلة المحارم من النساء، وأضفت عليها كثيراً من ألوان الوقار والاحترام، والزواج وما يصاحبه من شهوات، ورضا واختلاف يتنافى مع ما أسبغه الله تعالى على هذه المحارم من وقار وعواطف شريفه. إضافة إلى أن التجارب العلمية قد أثبتت أن التلاقح بين سلالات متباعدة الأصول غالباً ما ينتج نسلاً قوياً، أما التلاقح بين السلالات المتحدة في أصولها القريبة فإنه غالباً ما ينتج نسلاً ضعيفاً.
ثانياً: المحرمات بسبب الرضاع:
يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب؛ فإذا رضع طفل من امرأة فهي أمه تحرم عليه، وزوجها أبوه، وأولادها إخوته، قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ النساء: 23. وجاء في الحديث الشريف: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(1). وتثبت حرمة الرضاعة، إذا كانت في سن الرضاعة المقررة، وهي سنتان.
الحكمة من تحريم هذا النكاح:
ومن الحكم التي ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة: أن المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التي أرضعته فيكون جزءاً منها، كما أنه جزء من أمه التي حملته. وإذا كانت هذه قد غذته بدمها وهو في بطنها فإن تلك قد غذته بلبانها وهو في حجرها، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع أن تعامل معاملة الأم الحقيقية، وأن يعامل كل التقى على ثدي امرأة واحدة معاملة الإخوة من حيث التكريم وحرمة النكاح بينهم.
ما يحرم بسبب المصاهرة:
قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ النساء: 23. بينت هذه الآية الكريمة المحرمات بسبب المصاهرة، وهن أربعة:
- زوجات الآباء، وقد تقدم الحديث عنهن.
- أمهات الزوجات وإن علون، فقد حرّم الإسلام على الرجل أم زوجته التي دخل بها أو عقد عليها.
- بنات الزوجات المدخول بهن. وقد أجمع العلماء على حرمة نكاح البنت المدخول بأمها، وحرمة الأم المعقود على بنتها، كما استنبط العلماء من هذه الآية الكريمة القاعدة الشرعية الآتية:
«العقد على البنات يحرّم الأمهات، والدخول في الأمهات يحرّم البنات». والحكمة من تحريم الربائب (بنات الزوجات) على أزواج أمهاتهن أنهن يشبهن البنات الصلبيات بالنسبة لهؤلاء الأزواج، بسبب ما يجدنه منهم من رعاية وتربية في العادة، ولأنه لو أبيح للرجل أن يتزوج بنت امرأته التي دخل بها، لأدى ذلك إلى تقطيع الأرحام بين الأم وابنتها. ولأدى ذلك أيضاً إلى الانصراف عن رعاية هؤلاء الربائب خشية الرغبة في الزواج بواحدة منهن.
- زوجات الأبناء المدخول بهن أو المعقود عليهن، قال تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ النساء: 23.
والحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة. وسميت بذلك؛ لحلها للزوج وحل الزوج لها، فكلاهما حلال لصاحبه، ويقال للزوج حليل.
القسم الثاني: المحرمات حرمة مؤقتة، وهن:
- الجمع بين الأختين: قال تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ النساء: 23. والمعنى: وحرّم عليكم الجمع بين الأختين معاً في التزويج إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه. وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديماً وحديثاً على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح. ومَن أسلم وتحته أختان خُيّر، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة، فقد جاء في الحديث الشريف عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: «أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما»(1).
- الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها: كما أنه يحرم الجمع بين الأختين في عصمة رجل واحد، فكذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها أو ابنة أخيها أو ابنة أختها؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك، فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها»(2).
وضابط ذلك أن كل امرأتين بينهما قرابة لو كانت إحداهما ذكراً لحرم عليه نكاح الأخرى، كالمرأة وعمتها وخالتها وهكذا.
---
- أخرجه الإمام أحمد في مسنده 232/4.
- أخرجه الإمام أحمد في مسنده 77/1.
التقويم
- أضع إشارة (✓) أمام العبارة الصحيحة، وإشارة (✗) أمام العبارة غير الصحيحة فيما يأتي:
- أ. ( ) مقتاً: تصرفاً محبوباً.
- ب. ( ) (ما) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ النساء: 22 نافية تعمل عمل ليس.
- ج. ( ) المراد بالآباء: كل الأصول من الرجال.
- د. ( ) ساء سبيلاً: بئس طريقاً طريق ذلك النكاح.
- أذكر سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ النساء: 22.
- أبين لماذا خص بالذكر حرمة زوجة الأب.
- أوضح مفهوم الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ النساء: 22.
- أوضح معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ النساء: 22.
- أوضح الحكمة من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة.
- أبين المحرمات من النساء حرمة مؤقتة.
- أبين معنى قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ النساء: 23.
- أستخرج من آيتي الدرس أحكام التجويد الآتية:
- مد متصل.
- إظهار شفوي.
- إخفاء شفوي.
- إدغام بغير غنة.